السؤال:

هل يجوز للسُّنَّة الشريفة أن تَنْسَخ الأحكام الثابتة بالقرآن مثل قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ “لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ” الَّذي نسخ الوصية للوارث الموجودة في القرآن، مع العلم بأن القرآن كلام الله تعالى، والسُّنة من عند الرسول والرسول بَشَر؟

الجواب:

يقول الله سبحانه: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) (سورة البقرة: 106) ويقول: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ) (سورة النحل: 101) تفيد هاتان الآيتان وغيرهما أن النَّسخ وهو انتهاء حُكْم شرعي بطريق شرعي موجود في القرآن الكريم، وقد يكون النَّسخ للتلاوة والحُكم أو أحدهما، وذلك بنزول آية أخْرى فيها حُكم مُغَاير، وأمثلته كثيرة في القرآن الكريم أُفْرِدَت بتآليف خاصة منها كتاب النَّاسخ والمَنْسوخ لأبي جعفر النحاس المُتوفَّى سنة 338هـ.
وَنَسْخُ القرآنِ بالقرآن مُتفق عليه بدليل الآيتين السابقتين، وأما نَسْخُ القرآن بالسُّنَّة فَمَنَعَه جماعة؛ لأن الله يقول: (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنَّ أُبَدِّلْهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِليَّ) (سورة يونس: 15) ولأن السُّنة لا تكون مثل القرآن ولا خيرًا منها كما تقول الآية: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) وقال آخرون بجواز نَسْخِ القرآن بالسُّنة، وبوقوعه بناء على أن السنة أيضًا من عند الله، كما قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌّ يُوحَى) (سورة النجم : 3،4) وقال: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (سورة النحل : 44) على أن المراد بالذكر هو السُّنة، وقال جماعة: بنَسْخِ الْقُرآن بالسُّنة إذا كانت بأمر الله عن طريق الوحي، أما إن كانت باجتهاد فلا.
والرأي القائل بنسخ القرآن بالسُّنة هو الأقوى، لقول الله تعالى. إلى جانب النصين السابقين ـ (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (سورة الحشر : 7).
وقوله: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) (سورة النساء: 65) إلى غير ذلك من النصوص، وقد أجمع المسلمون على أن القرآن إذا نزل بلفظ مُجْمَل ففسَّره الرسول وبيَّنه كان بمنزلة القرآن المَتْلُوِّ في الأخذ به، فكذلك النسخ.
وتطبيقُا لذلك في حكم الوصية للوارث.
قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ) (سورة البقرة: 180).
يقول أبو جعفر النحاس: في هذه الآية خَمْسَة أقوال، منها أنها مَنْسُوخة بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ “لا وصية لوارث” وذلك على رأي من يُجيز نسخ القرآن بالسنة ـ وقيل: هي منسوخة بآية المواريث (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الُأنْثَيَيْنِ) (سورة النساء : 11) وذلك على رأي من ينسخ القرآن بالقرآن فقط وقيل: نسخت الوصية للوالدين وثبتت للأقربين الذين لا يرثون. وقيل: نُسخ وجوب الوصية وبقي ندبُها، وقيل: إن الوصية واجبة للوالدين والأقربين إذا كانوا لا يرثون، كأن كانوا كفارًا.
هذا مُلَخَّص ما قيل في آية الوصية، وعلى قوْل من الأقوال في تفسيرها كان تشريع الوصية الواجبة لولد الولد المَحْروم من الميراث، بكما في القانون المصري للأحوال الشخصية.