السؤال:

هل معنى قوله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) أننا لا نسأل عن أمور ديننا ما دُمْنَا لا نعرفها؟

الجواب:

روى البخاري ومسلم أن رجلاً اسمه عبد الله بن حُذافة هاجر إلى الحبشة وشهد بدرًا وكانت فيه دُعابة سأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أبيه، فقال له: “أبوك فلان” ولمَّا علمت أمه بسؤاله عن أبيه قالت: ما سمعت بابن أعق منك، آمنت أن تكون أُمك قارفت ما يقارف النساء في الجاهلية فتفضحها على أعين الناس؟ فقال: والله لو ألحقتني بعبد أسود للحقت به، فنزلت هذه الآية تنهى عن مثل هذه الأسئلة.
وروى الترمذي أنه لمَّا نزل قوله تعالى: (وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) قالوا: يا رسول الله أفي كُلِّ عام؟ فَسَكَتَ ولمَّا كَرَّروا السؤال قال: “لا، ولو قلتُ نعم لوجبت، ولو وَجَبَتْ ما أَطَقْتُمُوهَا، ولو لم تطيقوها لكفرتم” فأنزل الله هذه الآية للنهي عن تكلُّف الأسئلة ما دام القرآن لم يُبيِّن أكثر مما نزل، وذلك كلُّه في أيام نزول الوحي، حتى لا يكون المسلمون كبني إسرائيل حينما أمرهم الله أن يَذْبَحوا بقرة، فأخذوا يسألون عن سِنِّها وأوصافها حتى شَدِّد الله عليهم فاشتروها بثمن كبير.
أما اليوم ـ وقد انتهى الوحي ـ فيجوز بل يجب أن نسأل عما نجهله؛ لأنه من باب التفقه في الدِّين ، وقد كان النهي رحمة بالمسلمين فقد صحَّ في مسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “إن أعظم المسلمين جُرمًا من سأل عن شيء لم يُحَرَّم على المسلمين، فحُرِّم عليهم من أجل مسألته”.
فعلى كلِّ مُسْلم يجهل أمرًا من أمور الدين ـ لم يستطع أن يعرفه من مصادره ـ أن يسأل عنه العلماء المُختصين كما قال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) وأنصح كُلَّ طالب علم أيًّا كان نوعه أن يسأل عن حكم الدين في كل ما يَعِنُّ لَه، فذلك على اليقظة حتى لا يزل، ولا يُعد ذلك جُبنًا منه، بل هو الحِكمة عين الحكمة، فليس التفلُّت من الدين شجاعة بل هو تَهَوُّر يؤدي إلى التَّهْلُكة.