السؤال:

نَسمع عن قصة تُسَمى "قصة الغُرانِيق"، فما هي القصة؟ هل هي صحيحة أم لا؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

الغرانيق جمع غُرْنَيْق ـ بضم الغين وفتح النون ـ هو طائر أبيض طويل العُنق من طيور الماء، كما قال الجوهري والزمخشري، جاء في كتاب “حياة الحيوان الكبرى” للدُّميري ما نصه :
قال القاضي عِيَاض وغيره : إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قرأ سورة “النجم” وقال : (أَفَرَأيْتُم اللاتَ والْعُزَّى ومَنَاةَ الثَّالِثَةَ الُأخْرَى) قال “تلك الغرانيق العُلا، وإن شفاعتهن لتُرْتَجى”، فلما ختم السورة سجد وسجد من معه من المسلمين والكفار لمَّا سمعوه أثنى على آلهتهم، ثم أنزل الله تعالى عليه (ومَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ ولا نَبي إلا إذا تمنَّى ألقى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِه فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِى الشيطانُ ثم يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ) [الحج : 52].
[وأجابوا عنه بضعف الحديث فإنه لم يخرجْه أحد من أهل الصحيح ولا رواه ثقة بإسناد صحيح سليم متصل، وإنما أُولِع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولَعون بكلِّ غريب، المُتلقِّفون لكل صحيح وسقيم، والذي منه في الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ والنجم وهو بمكة، فسجد وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس”.] اهـ .

لا شك أن هذا الحديث الضعيف يرفع العِصْمَة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في التبليغ ويفيد تسلُّط الشيطان عليه حتى انحرف عن أمانة تبليغ القرآن كما أنزل.

والخلاف في قصة الغرانيق مبني على أن المراد بالتمنِّي هو القراءة، لكن هناك تفسير مبسط بعيد عن هذا التأويل وعن الرواية المدسوسة على الرسول، وخلاصته :
أن الله -سبحانه- يُقَرِّر أنه ما أرسل رسولاً وما اختار نبيًا من السابقين إلا تمنى هداية قومه وتوفيقه في أداء رسالته، لكنَّ الشيطان يُلقي في قلوب القوم وساوس تُنفِّرهم من قبول ما يتمناه وهو الإيمان والهداية، غير أن الله إذا أراد هداية قوم أزال تلك الوساوس التي ألقاها الشيطان في صدورهم ووفَّقهم لإدراك الحقيقة وإجابة النبي فيما طلب.
أما الذين لم يُرد الله هدايتهم فإنهم يتأثرون بهذه الوساوس، ويقفون من الدعوة موقف المُكَذِّب المعاند أو الشاك المتربِّص.
فالنسخ في الآية هو محْو الوساوس وإزالتها، وإبطال كيد الشيطان . وإحكام الآيات هو التوفيق للصواب في فهمها والإيمان بها . ونزول هذه الآيات يُراد به تسليةُ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وبيان أن كلَّ مُصْلِح لا بد أن يُلاقي في طريقه عقبات تكون حاجزًا بينه وبين المطلوب.
لكن عناية الله إذا لاحظته ذلَّلت هذه العقبات، حيث كان رائده المصلحة.

هذا، وتبليغ القرآن بالذات لا يمكن للشيطان أن يتلاعب فيه، فالله يقول : (إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَه لَحَافِظُون) [الحجر : 9].
يقول الدُّميري مستمدًا من كلام القاضي عِيَاض بعد أن ذكر ضعف الحديث وعدم جواز الاستدلال به : هذا توهينه من جهة النقل، وأما من جهة العقل فقد قامت الحُجَّة وأجمعت الأمة على عصمته -صلى الله عليه وسلم- ونزاهته عن مثل هذا.
ولم يجعل الله تعالى للشيطان عليه ولا على أحد من الأنبياء سبيلاً ثم قال : وعلى تقدير صحة ما روَوْه -وقد أعاذنا الله من صحته- فالراجح في تأويله عند المُحَقِّقين أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان -كما أمره الله تعالى- يُرَتِّل القرآن ترتيلاً، ويُفَصِّل الآيات تفصيلاً في قراءته.
فَمِنْ ثَمَّ ترصَّد الشيطان لتلك السكتات، ودسَّ كلامًا في تلك الكلمات محاكيًا نغمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار فظنوها من قوله -صلى الله عليه وسلم-، ولم يقْدح ذلك عند المسلمين، فقد روى محمد بن عُقْبَة أن المسلمين لم يسمعوها، وإنما ألقاها الشيطان في أسماع الكفار وعقولهم.
وفسَّر مجاهد والكلْبى الغرانيق العُلا بأنها الملائكة، وذلك أن الكفار كانوا يعتقدون أن الملائكة بناتُ الله، فأنكر الله كلَّ ذلك من قولهم، ورجاء الشفاعة من الملائكة صحيح، فلما تأوَّلَه المشركون على أن المراد به ذكر آلهتهم ولَبَّسَ عليهم الشيطان ذلك وزيَّنه في قلوبهم وألقاه إليهم، نسخ الله تعالى ما ألقى الشيطان وأحكم آياته ورفع تلاوة ما حاوله الشيطان كما رُفعت تلاوة كثير من القرآن . وكان في إنزال الله لذلك حِكْمة وفي نسخه حِكَم، كما قال تعالى : (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشيطانُ فِتْنَةً للذَين فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيِةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِين لَفِي شِقَاقٍ بعيدٍ * وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّه الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِه فَتُخْبَت له قُلُوبهُم وإنَّ الله لَهَادِ الذين آمَنوا إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الحج : 53، 54].
هذا، وقد ناقش هذا الموضوع المرحوم الشيخ يوسف الدِّجوى (مجلة الأزهر ـ المجلد الرابع ص 526) وقرَّر أن القصة باطلة، كما قال البيهقي والقاضي عياض في كتابه “الشفا” وأبو حيان في “البحر” وابن إسحق في “السيرة” الذي صنَّف في ذلك كتابًا، وكذلك أبو منصور المَاتُريدي.
ونفى هذه القصة لِما يترتب عليها من أمور خطيرة، كتسلُّط الشيطان على الرسول وبخاصة في التبليغ والاعتقاد “إن عِبَادي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ”، وكزيادة الرسول في القرآن ما ليس منه وهو ينافى أمانة التبليغ، وكاعتقاد النبي ما ليس بقرآن أنه قرآن مع مناقضته، كما في القرآن من ذَمِّ الأصنام والشُّرَكاء، وكتصوير الشيطان بصورة المَلَك الملبِّس على النبي وهو ممنوع كتصوره بصورة النبي. اهـ .
وأنصح بعدم المبادرة بتصديق أمثال هذه الأكاذيب، والرجوع فيها إلى المراجع الصحيحة والأخذ عن العلماء المتخصصين. مع الإيمان بأن الله -سبحانه- ما اختار الأنبياء لهذه المهمة إلا لعِصْمَتهم ونزاهتهم. فهم المصطفَوْن الأخيار.