السؤال:

نريد توضيح  في قوله تعالى: (لو أنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأيْتَه خَاشِعًا مُتَصَدِّعاً مِن خَشْيَةِ الِله)؟

الجواب:

تجيء هذه الآية في نهاية سورة الحشر التي تتحدث عن إجلاء بني النضير عن المدينة المنورة، وهم إحدى أُسَر من أهل الكتاب الذين كان يُؤمَل فيهم أن يكونوا من أول المُصدقين بالقرآن الذي نزل على الرسول الذي كانوا ينتظرونه ويقرءون أوصافه في كتبهم، لكنهم حسدًا وبغيًا كفروا، كما قال سبحانه: (ولمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْد اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنَ قَبَلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا به) (سورة البقرة : 89) ومع تكذيبهم للقرآن والرسول تعاونوا مع كفار مكة على مقاومة الدعوة، وقد أذاق الله كفار مكة وبال أمرهم في بدر، كما أذاق بني النضير عاقبة أمرهم (كَمَثَلِ الَّذِينَ من قَبْلِهم قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم) (سورة الحشر : 15) وهكذا لا يدفع شخص عن آخر فكلٌّ يتحمل تبعة عمله (كَمَثَل الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُر فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِئٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِين . فَكَانَ عَاقِبَتَهُما أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِـدَيْنِ فِيها وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِين) (سورة الحشر : 16، 17) والواجب على كل إنسان أن يسيطر على نزغات الشيطان وهوى النفس ولا يعمل للدنيا فقط، بل يعمل حساب المسئولية يوم القيامة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ) (لَا يَسْتَوي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ) (سورة الحشر : 18، 19، 20).
كان الواجب على الناس جميعًا، وقد جاءتهم الرسالة العامة، أن ينظروا في الكتاب المُنَزَّل على الرسول نظرة مُنْصفة موضوعية بعيدة عن التعصُّب والهوى، ومن خلال هذه النظرة سيكون لكلٍّ منهم رأي فيه، وسيقتنع تمامًا بصدقه ويسارع إلى العمل بما فيه، لكن أكثر الناس تتغلب عليهم أهواؤهم، ويضعف عقلهم أمام شهواتهم، فيعارضون الحق لذات المعارضة دون سبب معقول، مع أن هذا القرآنَ، وهو من عند الله، لو نزل على جبل أعطاه الله عقلاً، لتأثر كلَّ التأثر، ولم يملك إلا الإيمان بالله الذي أنزله، وبالرسول الذي بلَّغه، إن هذه القوة الجبارة لابد أن تخشع وتذِل وتضعف، بل لابد أن تتمزق وتتصدع ويتلاشى كبرياؤها عند سماع القرآن، كما يقول سبحانه: (ولو أنَّ قرآنا سُيِّرَتْ بِه الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِه الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِه الْمَوْتَى بَلْ للهِ الأمْرُ جَمِيعًا) (سورة الرعد: 31) ولكن الإنسان بعناده وتسلُّط شيطانه لم يتأثر بروعة القرآن وعظمة من أنزله، ومن قبل القرآن لم يتأثر أسلاف بني النضير، والحديث عنهم موضوع السورة، من الآيات المنزلة على الأنبياء قبلُ، كما قال سبحانه فيهم: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَار وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْه الْمَاءَ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ من خشية الله) (سورة البقرة: 74).
إن الآية تدعو الجميع إلى أن يستقل كلُّ إنسان بالنظر إلى القرآن بعيدًا عن إغواء داخلي أو خارجي، وبالنظر المُنْصف سيخشع العقل ويخشع القلب وتخشع الجوارح، سيخشع العقل عندما يعرف الإعجاز الذي نزل به القرآن فيُؤْمِن عن صِدق بأنه ليس من عند محمد بل من عند الله، وسيُؤْمِن بالله من خلال ما فيه من آيات وأخبار صادقة وهداية حكيمة، كما يقول سبحانه: (أَفَلا يَتَدبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (سورة محمد : 24) وكما قال: (أَفَلا يَتَدبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) (سورة النساء : 82).
وأوشك بعض كبار قريش أن يُؤمن عندما أخذ بروعة ما تُلي عليه، فقال: إن أعلاه لمُثْمِر وَإِنَّ أَسْفَله لمُغدِق وَمَا هو بقولِ بَشَر. ولكن المؤثرات القوية التي تحيط به ضيَّعت ما تأثر به عند سماع القرآن، وقد كان بعضهم ، وقد تعاهدوا على معارضة الدعوة، يتسرب خفْية لسماع القرآن فيعود متأثرًا، ولكن التعصُّب جَعَلهم كما يقول القرآن الكريم: (كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) وبالإقبال على القرآن يخشع العقل أيضًا، وهو يستخرج كنوزه ويُجلي هدايته، فيرى فيه دستورًا كاملاً للحياة الطيبة، ويُحس فيه روْعة التشريع وأحكامه، كما يُحس تقديره لكرامة الإنسان وإعداده لطور جديد من حياته البشرية يُحقق به الخلافة في الأرض، ومن هنا كان حثُّ الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ على تعلُّم القرآن ونشر هدايته فيقول: “خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه” رواه البخاري ومسلم ويقول في حديث رواه الترمذي وغيره وحسَّنه “يا أبا ذر لأن تغدو فتتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن تُصلي مائة ركعة، ولأن تغدو فتعلِّم بابًا من العلم عُمِل به أو لم يُعمل به خير ذلك من أن تُصلي ألف ركعة”.
وكما يخشع العقل يخشع القلب والوجدان، فيستقر الإيمان بالله ويقوى كلما قُرِئ القرآن، ويرق الوجدان والعواطف كلما كثرت قراءته أو سُمعت آياته تُتْلى، كما يقول سبحانه: (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْه جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَونَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلَى ذِكْرِ اللهِ) (سورة الزمر: 23) إن أول أثر يروع الإنسان هو الدهشة والقشعريرة وعند التأمل والانتقال بين فقراته من وعيد إلى وعد، ومن آية إلى آية يطمئن القلب ويألف هذا الجو الجديد كما يقول سبحانه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُه زَادْتُهُمْ إِيمَانًا) (سورة الأنفال : 2) وليس الإنسان وحده هو الذي يتأثر لكلام الله تلاوة واستماعًا فقد تأثر به الملائكة ونزلت تستمع إليه من أُسَيْد بن حُضَيْر وهو يقرؤه ليلاً، حتى إن فرسه التي كانت بجواره اضطربت لما أحسَّت بما في الجو من نور ومواكب غريبة عليه، وقد قال عنها الرسول الكريم كما ثبت في الحديث الشريف: إنها الملائكة نزلت تستمع القرآن، ولو قرأ حتى يأتي الصباح لأمكن رؤيتها، وهو ترغيب للمؤمنين في كثرة تلاوته، وبالإنصات له عند سماعه وعدم الانشغال عنه بلهو الحديث، فتلاوته تجارة لن تبور، وبكل حرف منه عشر حسنات، والمنزلة في الجنة بقدر ما يقرأ منه كما صحَّ في الحديث: “يُقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق كما كنت تقرأ في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها” رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح.
وكما يخشع العقل المُفكر والقلب المتأثر تخشع الجوارح بالعمل، وخشوعها بالعمل يكون من مُنطلق الإيمان بالله وبالقرآن المُعجز وبما فيه من هداية هي المثالية في كلِّ مجال من مجالات النشاط البشري، كما يقول سبحانه: (إنَّ هَذا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتي هِيَ أَقْوَمُ) (سورة الإسراء: 9) وكما كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعمل، فقد كان خُلُقه القرآن، تلقيًا وتعليمًا وتبليغًا وعملاً وتطبيقًا، وبهدايته المثالية والحِرص على تطبيقها تكونت أمةٌ كانت خير أمة أُخرجت للناس، قوةً وتماسكًا وحضارة ومدنية ، ولم يُفارق رسول الله الدنيا إلا بعد أن أوصانا بالتمسك به حتى لا نضل “إني تركتُ فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعدي أبدًا، كتاب الله وسُنتي” رواه الحاكم وصححه، فهو حبل الله المتين، ومن يعتصم به فقد هُدي إلى صراط مستقيم.
والغاية من تدبُّر القرآن والخشوع له تقوية إيماننا بالله، وإسعاد الإنسان في دنياه وأخراه، والله الذي أنزل القرآن هو الموصوف بعد هذه الآية بالوحدانية والرحمة والمُلك والتقديس والسلامة من كلِّ نقص والمصدق لرسله بآياته، والمسيطر عل الكون كلِّه بقدرته وعلمه، والعزيز الذي لا يذل، والمتعالي عن كل نقص، والخالق للعالم والمُبدع له على غير مثال سبق والمصور له كيف يشاء ويختار، والموصوف بكل كمال، فكيف يشرك المشركون به آلهة ليس لها هذا الكمال؟ إن الكون كله يسبح لله بالتوحيد والطاعة، وما أظلم الإنسانَ وأجله إذا وقع تحت تأثير غرائزه وشهواته، فيا أمة محمد أناديكم بما نادانا به رب العزة (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهُ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (سورة الحديد : 16).