السؤال:

بعض الناس يتوجه إلى المفتي يسأله مسألته وفي بعض الأحايين تكون هناك أسئلة تتعلق بمشكلات مالية أو خصومات فيسرد السائل بعض الوقائع ويكتم بعض الوقائع التي يكون لها أثر في الحكم الشرعي، والمفتي يفتي بناء على ما أورده السائل في سؤاله، فهل على المفتي وزر إذا كان السائل قد كتم شيئا يجب بيانه؟ وهل فتوى المفتي تحل حراما للسائل الذي جاء وقد كتم على عن سوء قصد أو غفلة بعض الأمور التي يكون لها تأثير بالغ في بيان الحكم الشرعي؟..

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

فيحرم على المستفتي أن يتحايل على المفتي بصياغة السؤال بطريقة تؤدي إلى تضليل المفتي وخداعه ليحصل على الجواب الذي يريده، فالمفتي كالقاضي تماماً يفتي حسب الظاهر والفتوى لا تحل حراماً ولا تحرم حلالاً، فالمفتي إنما يجيب المستفتي حسب سؤاله فإذا أخفى المستفتي بعض المعلومات عن المفتي فإنما الإثم على المستفتي لا على المفتي.

وهذا خلاصة ما جاء في فتوى فضيلة الدكتور حسام عفانه –أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين-:

الجواب: يجب أن يعلم أولاً أن العلماء قد فرقوا بين الفتوى وحكم القاضي أو حكم الحاكم أو حكم المحكم.
فالفتوى أن يخبر المفتي بحكم الله سبحانه وتعالى لمعرفته بدليله كما ذكر الشيخ ابن حمدان الحنبلي في صفة الفتوى والمفتي والمستفتي ص4.

بينما حكم القاضي أو الحاكم أو المحكم هو إنشاء لا إخبار فالقاضي ينشئ الالتزام للشخص المعين بما يعلم أن شرع الله يأمر به. انظر مباحث في أحكام الفتوى ص33. وقد فصل الإمام شهاب الدين القرافي المالكي المتوفى 684هـ الفرق بين الفتوى والقضاء في كتابيه المهمين وهما الفروق والإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام.

قال القرافي:[مثال الحاكم والمفتي مع الله تعالى – ولله المثل الأعلى- مثال قاضي القضاة يولّي شخصين، أحدهما نائبه في الحكم، والآخر ترجمان بينه وبين الأعاجم. فالترجمان يجب عليه اتباع تلك الحروف والكلمات الصادرة عن الحاكم، ويخبر بمقتضاها من غير زيادة ولا نقص. فهذا هو المفتي يجب عليه اتباع الأدلة بعد استقرائها، ويخبر الخلائق بما ظهر له منها من غير زيادة ولا نقص إن كان المفتي مجتهداً، وإن كان مقلداً كما في زماننا فهو نائب عن المجتهد في نقل ما يخص إمامه لمن يستفتيه، فهو كلسان إمامه والمترجم عن جنانه.

ونائب الحاكم في الحكم ينشىء من إلزام الناس وإبطال الإلزام عنهم ما لم يقرره مستنيبه الذي هو القاضي الأصلي، بل فوّض ذلك لنائبه، فهو متبع لمستنيبه من وجه، وغير متبع له من وجه. متبع له في أنه فوّض له ذلك وقد امتثل، وغير متبع له في أن الذي صدر منه من الإلزام لم يتقدم مثله في هذه الواقعة من مستنيبه بل هو أصل فيه. فهذا مثال الحاكم مع الله تعالى، هو ممتثل لأمر الله تعالى في كونه فوض إليه ذلك، فيفعله بشروطه. وهو منشئ لأن الذي حكم به تعيّن، وتعيُّنه لم يكن مقرراً في الشريعة، وليس إنشاؤه لأجل الأدلة التي تعتمد في الفتاوى، لأن الأدلة يجب فيها اتباع الراجح. وهاهنا له أن يحكم بأحد القولين المستويين على غير ترجيح ولا معرفة بأدلة القولين إجماعاً، بل الحاكم يتبع الحِجاج. والمفتي يتبع الأدلة.

والمفتي لا يعتمد على الحجاج بل على الأدلة. والأدلة: الكتاب والسنة ونحوهما. والحِجاج: البيِّنة والإقرار ونحوهما.فهذا مثال الحاكم والمفتي مع الله تعالى، وليس له أن ينشئ حكماً بالهوى واتباع الشهوات بل لا بد من أن يكون ذلك القول الذي حكم به قال به إمام معتبر لدليل معتبر كما أن نائب الحاكم ليس له أن يحكم بالتشهي عن مستنيبه.] الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ص43-45.

ومن الأمور المهمة التي يجب أن تكون معلومة للمستفتي أن القاضي والحاكم والمحكم مطلوب من كل منهم أن يستمع إلى الخصوم وإلى حججهم وأدلتهم ولا يجوز له أن يقضي قبل أن يسمع من الخصوم وهذا بخلاف المفتي فليس مطلوباً منه ذلك فالمفتي يجيب المستفتي حسب سؤاله فإذا أخفى المستفتي بعض المعلومات عن المفتي فإنما الإثم على المستفتي لا على المفتي.

إذا تقرر هذا فيجب أن يعلم أنه يحرم على المستفتي أن يتحايل على المفتي بصياغة السؤال بطريقة تؤدي إلى تضليل المفتي وخداعه ليحصل على الجواب الذي يريده، فالمفتي كالقاضي تماماً يفتي حسب الظاهر والفتوى لا تحل حراماً ولا تحرم حلالاً.

وقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم القول الفصل في هذا الباب وهو أن الحكم يكون حسب الظاهر في حديث صحيح مشهور عند أهل العلم رواه أصحاب الكتاب التسعة وأسوق رواية تامة للحديث بزياداته لتوضيح المقام نظراً لأهميته وخطورته، فعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم خصومة بباب حجرته، فخرج فإذا رجلان من الأنصار جاءا يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواريث بينهما قد درست ليس عندهما بينه إلا دعواهما في أرض قد تقادم شأنها، وهلك من يعرف أمرها، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنكم تختصمون إليّ، وإنما أنا بشر، ولم ينزل عليّ فيه شيء، وإني إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل عليّ فيه، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن – أبلغ بحجَّته – من بعض، فأحسب أنه صادق فأقضي له، فإني إنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً ظلماً بقوله فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار، يطوّق بها من سبع أرضين يأتي بها سِطاماً في عنقه يوم القيامة، فليأخذها أو ليدعها. فبكى الرجلان جميعاً لما سمعا ذلك وقال كل واحد منهما: يا رسول الله حقي هذا الذي اطلب لأخي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما إذ قلتما هذا فاذهبا واقتسما، ثم توخيّا الحق فاجتهدا في قسم الأرض شطرين، ثم استهما، ثم ليُحَلل كل واحد منكما صاحبه ] السطام هي الحديدة التي تحرك بها النار وتسعر ،انظر الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ص100-101.

وقد ظهر جلياً من هذا الحديث أن حكم الحاكم لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً وكذلك فتوى المفتي، قال الإمام البخاري في صحيحه باب من قُضي له بحق أخيه فلا يأخذه فإن قضاء الحاكم لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً ثم ذكر إحدى الروايات حديث أم سلمة رضي الله عنها السابق. صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري 13/214.

وأخيراً فإن المستفتي إذا حصل على فتوى توافق هواه وكان مخادعاً في سؤاله ومحتالاً للحصول على الجواب المناسب لحاله فعليه أن يعرض تلك الفتوى على قلبه ليرى هل قلبه مطمئن لها أم لا؟فقد ورد في الحديث عن وابصة بن معبد رضي الله عنه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جئت تسأل عن البر؟ قلت : نعم، قال: استفت قلبك البر ما اطمئنت إليه النفس واطمئن إليه القلب والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك ) رواه أحمد والدارمي والطبراني وهو حديث حسن كما قال الإمام النووي والشيخ الألباني.

قال العلامة ابن القيم:[لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئن نفسه، وحاك في صدره من قبوله، وتردد فيها، لقوله صلى الله عليه وسلم :(استفت نفسك، وإن أفتاك الناس وأفتوك)، فيجب عليه أن يستفتي نفسه أولاً، ولا تخلصه فتوى المفتي من الله إذا كان يعلم أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه، كما لا ينفعه قضاء القاضي له بذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :(من قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من نار).

والمفتي والقاضي في هذا سواء، ولا يظن المستفتي أن مجرد فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن، سواء تردد أو حاك في صدره، لعلمه بالحال في الباطن، أو لشكه فيه، أو لجهله به، أو لعلمه جهل المفتي أو محاباته في فتواه، أو عدم تقييده بالكتاب والسنة، أو لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرخص المخالفة للسنة، وغير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه وسكون النفس إليها، فإن كان عدم الثقة والطمأنينة لأجل المفتي سأل ثانياً وثالثاً حتى تحصل له الطمأنينة، فإن لم يجد، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها والواجب تقوى الله بحسب الاستطاعة] إعلام الموقعين عن رب العالمين 6/192-193.

وخلاصة الأمر أن المستفتي مطالب شرعاً بأن يصدق في كل المعلومات التي يذكرها في سؤاله للمفتي ويحرم عليه أن يتحايل أو يخادع حتى يحصل على الجواب الذي يوافق هواه.

والله أعلم.