السؤال:

سيدة من إحدى المحافظات ـ سنها عشرون عامًا، مُتزوجة ولها الآن طفلة وحيدة، ومات لها ولدانِ؛ أحدهما في سِنِّ الرابعة من عمره والآخر صغير جدًّا، وقد تأثَّرت كثيرًا بوفاة ولدها الكبير، بعد أن تعلَّقت به تعلُّقًا شديدًا، وصحتها الآن سيئة ولا تَستطيع أن تُنجب أطفالاً بسبب كثرة النزيف المُلازم لها. وهي تعترف بأنها أخطأت في حق الله بأن اتَّصلت برجل اتصالاً يُنكره الإسلام وينظر إليه على أنه فاحشةٌ، ولكنها تابت بعد ذلك وتُؤدي فروض العبادات الآن في غير انقطاع. والمشكلة التي تُؤرقها وتعيش بسببها في حال بُؤسٍ وشقاء نفسي هي أنها تعتقد أن الجريمة التي ارتكبتها سيَحُول ارتكابها إيَّاها دون أن تلتقي بولدها المحبوب في الآخرة عندما تموت هي، وبذلك تكون قد خَسِرته في الدنيا والآخرة معًا. وتسأل هل تُقدِم على الانتحار ويكون هذا الانتحار كفيلاً بتكفير ذنْبها وتطهيرها؟ وإلا فما هو الطريق الذي يجعلها لا تَفترق أبدًا عن هذا الابن العزيز في الآخرة؟

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

إن الانتحار ضد الإيمان بالله، فإيمان المؤمن يحمل الأمل في نفسه في الله جلَّتْ قدرته.. يحمل الأمل في رحمته وفي تفريجه الكروب.. والأزمات عند اشتدادها. والذي يُقدم على الانتحار من الشباب، والرجال، والنساء، يتملَّكه اليأس من الحياة.. وتُظلِم الدنيا في وجهه. واليائس لا يكون صاحب أمل.. وبالتالي لا يكون مُؤمنًا بالله. وهذا الانتحار جريمةٌ أخرى تُضاف إلى جرائم الإنسان السابقة.. الذي يُحاول الانتحار. وليست تكفيرًا عن جريمة باشَرَها المنتحر ـ كالفاحشة التي باشرتها السائلة ـ وليس أيضًا تطهيرًا منها.

والسائلة عزَّ عليها أن تَفقد ولدها المحبوب عندها إلى غير رجعة.. عزَّ عليها أن لا تراه وقد كان مِلْءَ بَصرها.. وأن لا تسمع صوته في الحديث معها، وقد كان مِلْءَ السمع منها، وصارت تُباشر حلم اليقظة: في أن تراه وأن تَضمه إلى صدرها، كما كانت تفعل في حياته معه، أيْ صارت لها أُمنية في أن تراه وتسمعه، ولكنها ـ كما تُعبر ـ لمَّا باشرت الخطيئة، وهي مَمقوتة عند الله، واعتقدت أن الله سيُعاقبها على هذه الخطيئة بحِرْمانها من أن تلتقي بولدها في الآخرة بعد بعْث الأموات من قُبورهم: ضاقت نفسها.. واشتدَّ حُزنها.. وكثر خوفها، وأثَّر ذلك كله على صحتها وعلى نفسها فاعتلَّ بدَنُها.. وأظلمتْ نفسها من داخلها.. وتصوَّرت ما تصورته.. واعتقدت ما اعتقدته.. وكل يومٍ يزداد اعتلال البدن وتزداد ظلمة النفس، فكان المَيْل إلي اليأس من الحياة.. وكان التفكير في الإقدام على الانتحار.

ولكن الله القادر الجبَّار.. هو الله الرحيم بالإنسان، والإسلام لأنه رسالة الله يُقدر الإنسان على أنه غير مَعصوم عن الخطأ ومُباشرة الذنوب. فهذه الطبيعة البشرية التي تَتصارع في داخلها شهوات النفس وأهواؤها.. مع عقل الإنسان وحكمته.. وعن هذا الصراع: يتولَّد الخطأ ويرتكب الإنسان الإثْم، والمعصية، والفاحشة، ما ظهر منها وما بطن.

ومن أجل هذه الطبيعة المُزدوجة المُتصارعة في الإنسان التي يترتَّب على ازدواجها: ارتكاب الأخطاء والذنوب.. كانت التوبة إلى الله.. وكان الرجوع إليه عند ارتكاب المعصية ومعنى الرجوع إليه: الرجوع إلى تنفيذ ما أمر به في كتابه وما نهى عنه في هذا الكتاب.. معنى الرجوع إليه: الإصرار على ترْك المنكر أو الفاحشة.. والْتزام العمل بدين الله.. والإيمان به.

والتوبة: العودة إلى الإيمان بالله وإلى العمل والسلوك، والتصرُّف طبْقًا لمَا يدعو إليه الإيمان بالله: يَستقبل جلالَ المولى في الصلاة ويدعوه أن يَغفر له ما باشَرَهُ مِن ذَنْبٍ وخطيئة.. وتَعِدُهُ وَعْدًا أكيدًا باتِّباع رسالةِ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإذا كان المُخطئ مُخلِصًا في التوبة مِن خطئه.. وكانت توبته قريبة من مباشرة الخطأ أو الذنب.. واستمر مُتجنِّبًا الَمعاصي والآثام: فإن الله يَقبل توبته: فهو الرحيم الذي يَقبل التوبة: (والذينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ التي حرَّمَ اللهُ إلَّا بالحقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعلْ ذلكَ يَلْقَ أثَامًا. يُضاعَفْ لهُ العذابُ يومَ القِيامةِ ويَخْلُدْ فيهِ مُهانًا. إلَّا مَن تابَ وآمَنَ وعمِلَ عملًا صَالِحًا فَأُولئكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسناتٍ وكانَ اللهُ غَفورًا رَحيمًا. ومَن تَابَ وعمِلَ صَالِحًا فَإنَّهُ يَتُوبُ إلَى اللهِ مَتَابًا). (الفرقان: 68ـ71). وقد وعَد الله ـ سبحانه ـ هنا بأن يُبدل سيئاتِ المخطئين.. إلى حسنات لهم، إن هم تابوا توبةً مخلصة وعادوا إلى اتباع تعاليم الله في رسالة رسوله الكريم، فهو ـ سبحانه ـ لم يكتفِ بالمغفرة عن الذنوب وإنما أضاف فضْلاً، بعد الغفران. والسائلة الآن عليها أن تَطمئن وتستمر في طاعة الله، وفي أداء واجبها نحو زوجها.. وطفلتها.. وتتوكل على الله في أن يغفر لها ذنْبها ويَجزيها في آخرتها باللقاء مع عزيزها.. وتدَع الهموم والأحزان. فهي من عمل الشيطان عندئذٍ.

والله أعلم.