السؤال:

نحن أصحاب مزارع للإنتاج الحيواني ونرغب في تقوية سلالة الحيوانات التي لدينا فنذهب أحيانا بالإناث إلى فحل كريم  لكي يلقحهم، في مقابل مال يأخذه صاحب الفحل كأجرة نظير التلقيح، وقد سمعنا كلاما في هذا الفعل فهل أرشدتمونا؟ وجزاكم الله خيرا

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن عسب الفحل[1]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ” نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجّام، وعن ثمن الكلب، وعن عسب الفحل ” وقالوا سبب التحريم هو أن عسب الفحل غير متقوم، ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه، فالغرر فيها كبير، وقد حرمت الشريعة البيوع التي تقوم على الغرر، ولكن قد جاء النص على جملة من البيوع كانت مشهورة في الجاهلية منها بيع عسب الفحل.

 ونقل صاحب شرح سنن ابن ماجة عن الطيبي ـ طيب الله ثراه ـ قوله:

 النهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير متحصرة؛ كبيع المعدوم والمجهول، وما لا يقدر على التسليم، ومالا يتم ملك البائع عليه، وأشباه ذلك مما يلزم منه الغرر من غير حاجة، وبيع المنابذة والملامسة وحَبْل الحَبَل والحصاة وعسب الفحل، وأشباهها من البيوع التي جاء فيها نصوص داخلة في الغرر؛ لكن أفردت بالذكر لكونها من بياعات الجاهلية المشهورة. أهـ

وهذا النهي عن عسب الفحل محل اتفاق بين الفقهاء، وقد ذكر الإمام ابن القيم علل التحريم فقال:

والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عما يعتادونه من استئجار الفحل للضراب، وسمى ذلك بيع عسبه، فلا يجوز حمل كلامه على غير الواقع والمعتاد، وإخلاء الواقع من البيان مع أنه الذي قصد بالنهي.

 ومن المعلوم أنه ليس للمستأجر غرض صحيح في نزو الفحل على الأنثى الذي له دفعات معلومة، وإنما غرضه نتيجة ذلك وثمرته ولأجله بذل ماله . وقد علل التحريم بعدة علل .

إحداها : أنه لا يقدر على تسليم المعقود عليه فأشبه إجارة الآبق فإن ذلك متعلق باختيار الفحل وشهوته .

الثانية: أن المقصود هو الماء، وهو مما لا يجوز إفراده بالعقد؛ فإنه مجهول القدر والعين، وهذا بخلاف إجارة الظئر؛ فإنها احتملت بمصلحة الآدمي، فلا يقاس عليها غيرها.

 وقد يقال – والله أعلم – إنَّ النهي عن ذلك من محاسن الشريعة وكمالها؛ فإن مقابلة ماء الفحل بالأثمان وجعله محلا لعقود المعاوضات مما هو مستقبح ومستهجن عند العقلاء، وفاعل ذلك عندهم ساقط من أعينهم في أنفسهم.

 وقد جعل الله سبحانه فطر عباده لا سيما المسلمين ميزانا للحسن والقبيح، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح .

ويزيد هذا بيانا أنَّ ماء الفحل لا قيمة له، ولا هو مما يعاوض عليه، ولهذا لو نزا[2] فحل الرجل على رمكة (فرس وهي أنثى الحصان) غيره فأولدها، فالولد لصاحب الرمكة اتفاقا؛ لأنه لم ينفصل عن الفحل إلا مجرد الماء، وهو لا قيمة له، فحرمت هذه الشريعة الكاملة المعاوضة على ضرابه ليتناوله الناس بينهم مجانا؛ لما فيه من تكثير النسل المحتاج إليه من غير إضرار بصاحب الفحل، ولا نقصان من ماله، فمن محاسن الشريعة إيجاب بذل هذا مجانا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن من حقها إطراق فحلها وإعارة دلوها” فهذه حقوق يضر بالناس منعها إلا بالمعاوضة فأوجبت الشريعة بذلها مجانا .أهـ

أما إجارة الفحل للضراب فالجمهور عدم جواز إجارة الفحل للضراب، وأجازها المالكية بشروط ولكن رأي الجمهور أقوى.

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:

أما الإجارة فقد رأى جمهور الفقهاء – الحنفية، وفي الأصح عند الشافعية، وأصل مذهب الحنابلة – عدم جواز إجارة الفحل للضراب، للأحاديث السابقة قال الكاساني: قد روي { أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم: نهى عن عسب الفحل }

 ولا يمكن حمل النهي على نفس العسب، وهو الضراب ; لأن ذلك جائز بالإعارة، فيحمل على البيع والإجارة، إلا أنه حذف ذلك وأضمره فيه كما في قوله تعالى : { واسأل القرية } .

 وقال المالكية، وهو مقابل الأصح عند الشافعية : إنه يجوز إجارة الفحل للضراب، وقيَّد المالكية الجواز بما إذا كان الاستئجار لزمان معين كيوم أو يومين، أو لمرات معينة كمرتين أو ثلاث، ولا يجوز استئجار الفحل للضراب إلى حمل الأنثى عند المالكية.[3]

 وقال الحنابلة : إن احتاج إنسان إلى استئجار الفحل للضراب، ولم يجد من يطرق له مجانا، جاز له أن يبذل الكراء ; لأنه بذل لتحصيل منفعة مباحة تدعوا الحاجة إليها.أهـ

ورجح ابن رشد مذهب الجمهور على مذهب المالكية قال في بداية المجتهد ونهاية المقتصد:

 وأما إجارة الفحول من الإبل والبقر والدواب، فأجاز مالك أن يكري الرجل فحله على أن ينزو أكواماً معلومة، ولم يجز ذلك أبو حنيفة ولا الشافعي، وحجة من لم يجز ذلك ما جاء من النهي عن عسيب الفحل، ومن أجازه شبهه بسائر المنافع، وهذا ضعيف لأنه تغليب القياس على السماع. أهـ

وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم منع صاحب الفحل من أخذ الأجرة على نزو فحله أو بيع مائه فإنه رخص له في قبول ما يهدى إليه من دون شرط مسبق أوتواطؤ بينه و بين صاحب الإناث، فقد روى الترمذي في سننه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلاً مِنْ كِلاَبٍ سَأَلَ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ فَنَهَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُطْرِقُ الْفَحْلَ فَنُكْرَمُ. فَرَخَّصَ لَهُ فِى الْكَرَامَةِ. وقال: حديث حسن غريب، وصححه الشيخ الألباني.

وكلمة (فَنُكْرَمُ) مبنية للمجهول وهي تدل على انتفاء المعاوضة (مبادلة سلعة بمال) ولذلك رخص النبي صلى الله عليه وسلم في قبول هذا.

ولا يفوتنا أن نذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم حث على إطراق الفحل ورغَّب فيه، جاء في السلسلة الصحيحة للشيخ الألباني: “من أطرق فرسه مسلما كان له كأجر سبعين فرسا حمل عليه في سبيل الله فإن لم تعقب كان له كأجر فرس يحمل عليها في سبيل الله”.

والله أعلم.

[1]  قال ابن حجر في فتح الباري :عسب الفحل بسكون السين مع فتح أوله، ويجوز ضمه: هو كراء ضرابه[سفاده] وقيل: العسب الضراب نفسه، ويقال ماؤه…والفحل: الذكر من كل حيوان فرسا كان أو جملا أو تيسا. وقال صاحب الأفعال: أعسب الرجل عسيبا اكترى منه فحلا ينزيه.

[2]  نزا أي: وثب وتقال عندما يقوم الفحل بمجامعة أنثاه، جاء في تهذيب اللغة: قال الليث: النَّزْوُ: والوثبان، ومنه نزوَ التيس، ولا يقال إلا للشاة والدواب والبقر في معنى: السِّفاد. وقال الفراء الإنزاء: حركات التيوس عند السِّفاد..

[3] جاء في المدونة: يجوز أن يستأجر الفحل لينزيه أعواما أو أشهرا معلومة، أما أن يستأجره لينزيه حتى تعلق  الرمكة، فذلك فاسد لا يجوز. انتهى