السؤال:

شاب من إحدى المحافظات يذكر: أنه الآن في السابعة والعشرين من العمر وتزوج بفتاة سنها ثماني عشرة سنة ويعيش معها منذ ثلاث سنوات. ولم يُنجب منها أولادًا. ويَعتبر أن أجملَ أيام حياته هي التي عاشها معها حتى الآن. ولكن نمَا إلى سمْعه: أن سُلوكها كان سيئًا وهي في سِنِّ الخامسة عشرة وعندما سألها لم تُنكر ما سمعه، ثُمَّ بكت كثيرًا. ويسأل الآن: هل يُطلِّقها؟ .. أم يُسامحها؟

ويسأل شاب آخر: بإحدى جامعات الأقاليم: عمره ثلاثة وعشرون عامًا عن مُستقبله مع فتاة خَطبها وهي في سِنِّ الرابعة عشرة، هل يفسخ خِطبتها مع أن كلاً منهما يُحب الآخر؟ أم يستمر فيها؟ فقد سمع عنها ما يُسيء إليها دون أن يرى أمارةً واحدة على صدْق ما سمع. ويرى العكس. وهي إنها مُؤدبة.. ومحافظة على صلاتها. وعندما سألها عما سمع: أنكرتْه ووضعته أمام اختيار جديد. وهو إذا لم يكن يثِق بها فليس هناك إلْزام على أحدٍ منهما في إتمام الزواج.

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

فالإسلام فتح باب التوبة، وما دام المرء قد تاب لله تعالى توبة نصوحا فيقبل الله تعالى توبته، وبوسع الزوج أو العاقد أن يختبر سلوك الزوجة، فإن وجدها مستقيمة تائبة لله تعالى فليتمسك بها ولا يعين الشيطان عليها.

وفي هذا يقول الدكتور محمد البهي من علماء الأزهر رحمه الله:

أما الشاب الأول فقد عاش زوجًا مع زوجته الآن ثلاث سنوات، ويجب أن يكون قد عرف اتجاهها في الحياة.. كما يكون قد وقَف على سلوكها. وهو يُثني عليها، ويَعْتَبِر أن الفترة التي قضاها الآن معها هي أجمل الأيام في حياته. وكانت صادقةً معه. لم تُحاول أن تهرب، ولا أن تُبرر: ما وقع في ماضي حياتها وهي لم تكن معه ولم تعرفه، ولم تكن بينهما صِلة على الإطلاق.

فما وقع منها مما يُشكِّكه الآن كانت مسئولةً عنه وحدها أمام الله. ولم يُصبه منه أذًى، وهي تابتْ ورجعت إلى الخط المستقيم في السلوك، بدليل أنها بكت، والبكاء هو تعبير عن الندَم، والندم خُطوة أولى في التوبة، والخطوة الثانية: الإصرار على عدم الرجوع إلى الخطأ. وهي لم ترجع إليه. فالزوج يُثني على سلوكها منذ أن  تزوَّجها.إن الإنسان عُرْضة لمُباشرة الخطأ والصواب. وليس هناك إنسان معصوم عن الخطأ. ولذا كانت التوبة إلى الله والعزْم على عدم العودة إلى الذنب: باب المغفرة من الله. يقول الله في كتابه: (فمَن تابَ مِن بعْدِ ظُلْمِه وأصْلَحَ فإنَّ اللهَ يَتوبُ عليهِ إنَّ اللهَ غفورٌ رحيمٌ) (المائدة: 39).. فيَعِدُ اللهُ ـ سبحانه ـ بقَبول توبة العاصي ـ وهو الذي ظلَم نفسه بارتكاب المَعصية ـ إن أصْلح مِن خطَأه، بأنِ اتَّبع هداية الله، واستقام في سلوكه وتصرفاته. والإسلام لا يعرف “عقدة الذنْب”.. أيْ: لا يعرف ذنبًا مُتأصِّلاً لا يُمحَى. فطالما الإنسان ليس إلَهًا.. ولا شبيهًا بالإلَهِ، في نظر الإسلام فاحتمالُ ارتكابه للخطأ أمرٌ قائمٌ طول حياته. ولذا هو مأمور بمُجاهدة النفس: بمجاهدة هواها وشهوتها، وحتى يأمن عن طريق هذه المجاهدة النفسية: عدم مباشرة الأخطاء والانحرافات التي يدفع إليها هوَى النفس في الإنسان وشهْوته. والشاب الذي يسأل الآن هل يُطلق زوجته التي ارتَكبتْ بعض الأخطاء قبل الزواج منه وقبل ثلاث سنوات مَضَتْ، إنْ أقْدم على طلاقها، يكون قد ظلَمَها فنظر إليها على أنها فوق مُستوى الإنسان.. لا تُخطئ. ولكن الأمر الذي لا يقبل منها: أن تُخطئ.. وأن تُصرَّ على الخطأ والاستمرار فيه، ولا ترجع إلى خطِّ الاستقامة والصواب.. وتتوب إلى الله توبةً نَصُوحًا.

إن زوجة السائل أخطأت مع بداية المرحلة الخطيرة في حياة الإنسان، وهي مرحلة المُراهقة ثم تزوَّجت واستقامت وتابت، وعدم إنكارها لمَا عرَضه عليها زوجها مِن إشاعات وبكاؤها ندَمًا على ما فات: كافٍ في التعبير عن تَوْبتها إلى الله. ويكفي لها من الإنْذار، والتحذير ما تَردَّد الآنَ على مَسمعها من الإشاعات الماضية؛ لأنها ربما كانت لا تتصوَّر أن يصل أمر ماضيها إلى زوجها في حياتها الجديدة التي هي سعيدةٌ بها. والطلاق هو السبيل إلى إبعاد الأضرار عن الزوجينِ في حياتهما المشتركة، وهو مِن رحمة الله مشروع، يُستخدم عندما تدعو إليه الضرورة. وأمر السائل مع زوجته لا عجَلة فيه. فلْيُرجئ الطلاق والتفكير فيه.. وليَنْسَ الماضي. فقد غفَره الله وستره.. وليُرِحْ نفسه من القلق والشك. وزوجته ستأخذ نفسها الآن بالتأكيد بكل ما يُطمئن زوجها، ويُعيد إليه سعادة النفس بمُعاشرتها.

أما الشاب الآخر الذي يسأل عن فسْخ خِطبته لفتاة أخرى، روَّج عنها بعض المُتقولين ما لم يلمسه في حياتها.. وما لم يجد أمارةً عليه: فالأولَى به أن يَهدأ. إذ ترويج السوء ـ وبالأخص عن بعض الفتيات ـ عادةٌ قبيحة في مجتمعنا. قد يكون تعبيرًا عن انفعال الكراهية والحقد للربْط الجديد بين الفتى والفتاة. فأدَبُها في السلوك.. ومُحافظتها على الصلاة.. وتحدِّيها للإشاعة بإعلان الإلْزام لأيِّ جانب من الجانبين بإتمام الزواج: كل ذلك يُوضح إن الإشاعة من حاقِد. وطريق الإسلام في الزواج طريق مستقيم لا اعْوجاج فيه: خِطبة يقتنع كل مِن الفتى والفتاة فيها بصلاحية كل منهما للآخر.. وزواج إن تعثَّر فيه الوفاق بين الزوجينِ لمَصلحتها: فمِن اليسير حَلَّهُ. (وإنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ). (النساء:130). والسائل لدَيه من الوقت قبل عقد الزواج ما يَختبر فيه سلوك فتاته، فإنْ ظهر له ما يُريبه منها كان له حق الانْصراف عنها، وهي كذلك إن ظهر لها ما يُشككها في استقامته كان لها أن تتركه، فالإسلام لا يَقبل الخداع إطلاقًا في عقدٍ بين اثنين، ولو كان عقد الزواج.

والله أعلم.