السؤال:

نرى بعضَ الناس يَجمعون بين الصلاتين بدون سفر ولا مرض ولا مطر ويقولون إن الدّين يُسر، فهل لذلك أصلٌ في الشرع؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

فالجمهور على أنه لا يجوز الجمع بين الصلاتين إلا مع وجود عذر من أعذار معينة من السفر والمرض والخوف، وقال البعض بجواز الجمع بأي عذر من الأعذار.

يقول الشيخ عطية صقر؛ رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقا ، رحمه الله :

روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال: صلّى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالمدينة سَبعًا وثمانيًا، الظّهر والعصر والمغرب والعشاء، وفي لفظ الجماعة إلا البخاري وابن ماجه: جمع بين الظُّهر والعصر وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر. وعند مسلم في هذا الحديث من طريق سعيد بن جبير قال: فقلت لابن عباس: لمَ فعل ذلك؟ قال: أراد ألاّ يُحرج أحدًا من أمّته. وأخرج الطبراني مثله عن ابن مسعود مرفوعًا، ولفظه: جمع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين الظّهر والعصر وبين المغرب والعشاء، فقيل له في ذلك فقال: “صنعتُ هذا لئَلا تُحرج أمّتي”.

والحديث ورد بلفظ: من غير خوف ولا سفر، وبلفظ: من غير خوف ولا مطر، ولم يقع مجموعًا بالثلاثة في شيء من كتب الحديث أي بلفظ: من غير خوف ولا سفر ولا مطر، والمشهور من غير خوف ولا سفر.
وجاء في رواية البخاري ومسلم عن ابن عباس في صلاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالمدينة سبعًا وثمانيًا أن أيّوب السختياني سأل أبا الشّعثاء جابر بن زيد الراوي عن ابن عباس وقال له: لعله في ليلة مَطيرة: قال عسى.
وابن عباس كان يفعل كما فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإن أبا الشّعثاء يقول ـ كما رواه النسائي ـ: إن ابن عباس صلى بالبصرة الأولى ـ أي :الظّهرـ  والعصر ليس بينهما شيء، و المغرب والعشاء ليس بينهما شيء، فعل ذلك من شغل. وفيه رفعه إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي رواية مسلم أن شغل ابن عباس المذكور كان بالخُطبة، وأنّه خطب بعد صلاة العصر إلى أن بَدَتِ النُّجوم “دخل الليل” ثم جمع بين المغرب والعشاء، وفيه تصديق أبي هريرة لابن عباس في رفعه.
هذا بعض ما ورد من الأحاديث والآثار في الجمع بين الصّلاتين والعلماء في ذلك فريقان:
( أ ) فذهب جماعة من الأئمة إلى الأخذ بظاهر حديث ابن عباس فجوّزوا الجمع في الحَضَر، أي في غير السفر، للحاجة مُطلقًا، ولكن بشرط، ألا يتّخذ عادة وخُلقًا، قال ابن حجر في فتح الباري: وممّن قال به ابن سيرين وربيعة وابن المنذر والقَفّال الكبير، وحكاه الخطّابي عن جماعة من أصحاب الحديث، وقال الشوكاني في نيل الأوطار: رواه في البحر عن الإماميّة وروى عن علي وزيد بن علي. والحجّة في ذلك نفي الحرج ما دامت هناك حاجة، وكان منها شغل ابن عباس بالخطبة.

( ب) وذهب جمهور الأئمة إلى منع الجمع بين صلاتين إلا لعُذر، وحكى عن البعض أنّه إجماع، ولا عِبرة بمَن شذّ بعد الإجماع الأول، وحُجّتهم في ذلك أخبار المواقيت التي حدَّدت أوقات الصلاة، ولا يخرج عنها إلا لعُذر، ومن الأعذار ما هو منصوص عليه كالسفر، وقد ورد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه جمع بين الصّلاتين في السفر وكالمَرض، فقد ثبت أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال للمُستَحاضة ـ والاستِحاضة نوع مرض ـ “وإن قَوِيتِ على أن تؤخِّري الظهر وتعجِّلي العصر فتغتَسلين وتجمعين بين الصّلاتين” ومثله بين المغرب والعشاء، وكالمطر فقد جاء في موطأ مالك عن نافع عن ابن عمر، كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم، وأخرج الأثرم في سننه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: من السُّنّة إذا كان يوم مَطير أن يُجمع بين المَغرب والعشاء. وهناك أعذار أخرى قِيست على هذه الأعذار، أو هِي في معناها .كما سيأتي.

وأجاب الجمهور على حديث ابن عباس الذي يقول بالجمع من غير عذر بأجوبة لا يَسلم بعضها من المناقشة وعدم التسليم، لكنّ أحسنَها هو أن الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، الذي فعله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالمدينة من غير سفر ولا مرض ولا مطر، كان جمعًا صُوريًّا، بمعنى أنه أخَّر صلاة الظهر إلى آخر وقتها فصَلاها، ثم جعل صلاة العصر في أول وقتِها ليس بينهما إلا قَدْرٌ يَسيرٌ، فيظنُّ الرائي أنه جمع بين الصّلاتين في وقت واحد لإحداهما، والحقيقة أن كل صلاة وقعت في وقتها المحدود لها؛ لأنّ لكل صَلاة وقتًا له أول وله آخر، ولمّا كان أداء الصلاة في وقتها له فضله كان يحرص عليه الصّحابة، ولكنْ ربّما تكون هناك أعذار تمنَع من المُبادرة إلى الصّلاة أولَ الوقت ففعل النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلم ـ ذلك أحيانًا ليرفع الحرجَ عن أمّته، وليعرِفوا أن الصلاة في آخر وقتها وقعت أداء، ولا حرج في التأخير ما دامت هناك حاجة.

وهذا الجواب ارتَضاه ابن حجر في “الفتح” وقال: قد استحسَنه القرطبي ورجّحه إمام الحرمين، وجزم به من القُدماء ابن الماجشون والطحاوي، وقواه ابن سيد الناس بأن أبا الشّعثاء، ـ وهو راوي الحديث عن ابن عباس ـ قد قال به. ثم قال ابن حجر: ويُقوِّي ما ذكر من الجمع الصُّوري أن طُرق الحديث كلها ليس فيها تعرّض لوقت الجمع، فإمّا أن يحمل على مُطلَقِها فيستلزم إخراج الصلاة عن وقتها المحدود بغير عذر، وإما أن يحمل على صفة مخصوصة لا تستلزم الإخراج، ويجمع بها بين مفترَق الأحاديث، فالجمع الصوري أولى أهـ.

ومما يدلُّ على أن هذا الجمع بالمدينة لغير عذر كان صُوريًا ما أخرجه النسائي عن ابن عباس بلفظ جاء فيه: صليْتُ ـ مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الظُّهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، أخَّر الظهر وعَجّل العصر، وأخَّر المغربَ وعجّل العشاء، فابن عباس راوي الحديث صرّح بأنه جمع صوري، وكذلك ما رواه الشيخان عن عمرو بن دينار أنه قال: يا أبا الشّعثاء، أظنُّه أخَّر الظهر وعجَّل العصر، وأخّر المغرب وعجّل العِشاء. قال: وأنا أظنُّه : وأبو الشّعثاء هو راوي حديث ابن عباس في الجمع، ومما يؤيِّد أن الجمع كان صوريًّا ما أخرجه مالك في الموطأ والبخاري وأبو داود والنسائي عن ابن مسعود قال: ما رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صلّى صلاة لغير ميقاتِها إلا صَلاتين، جمع بين المغرب والعشاء بالمزدَلَفة…

فحصر ابن مسعود الجمع في مزدلفة، مع أنه روى حديث الجمع بالمدينة، وهذا يدل على أنه كان صوريًّا وإلا لتناقضت روايتاه، والجمع ما أمكنَ المصير إليه هو الواجب. كما يؤيّده ما أخرجه ابن جرير عن ابن عمر قال: خرج علينا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكان يؤخِّر الظهر ويعجِّل العصر فيجمع بينهما، ويؤخِّر المغرب ويعجل العشاء فيجمع بينهما، وهذا جمع صوري وابن عمر هو ممّن روى جمع الرسول بالمدينة، كما أخرج ذلك عبد الرزاق عنه فيحمل عليه.

هذا بعض ما قيل في بيان أن الجمع كان صوريًّا، وأنه لا يجوز تقديم صلاة على وقتها ولا تأخيرها عن وقتها إلا لعُذر، وقد عُنِيَ بعض العلماء بتوضيح هذه المسألة وأطال في ذلك كما فعله ابن القيم في كتابه “تشنيف السمع بإبطال أدلة الجمع”.  رغم أن البعض رفض فكرة الجمع الصوري.

وتكميلاً لهذا الموضع أذكر رأي الأئمة الأربعة في الجمع باختصار:
1 ـ فعند المالكيّة يجوز الجمع للسفر طال أو قصُر، وللمريض الذي يخاف حصول إغماء أو دوخة تمنعه من أداء الصلاة عند دخول وقت الثانية، فيجوز له تقديمها، وكذلك الجمع للمطر والطين مع الظّلمة آخر الشهر، فيجمع بين المغرب والعشاء تقديمًا بشرط أن تكون الصلاة في المسجد جماعة، وكذلك يجوز الجمع للحاجّ بعرفة أو مزدلَفة.
2  ـ وعند الشافعية، يجوز الجمع بسبب السفر الطويل، وبسبب المطر تقديمًا فقط، إذا كانت الصّلاة للجَماعة في مسجد بعيد، ـ عرفًا ـ مشقّة بالذّهاب إليه ـ ما عدا الإمام فله الجمع ولو لم يتأذَّ بالمطر ـ ولا يُجمع بسبب المَرض على المشهور، لكن الراجح جواز الجمع للمريض تقديمًا وتأخيرًا.
3 ـ وعند الحنفيّة ، لا يجوز الجمع تقديمًا إلا في عرفة للحاج بشرط الجماعة مع الإمام العام أو نائبه، ولا يجوز تأخيرًا إلا في المزدلَفة للحاج أيضا، فيصلِّي العصر في وقت الظهر بعَرفة، والمغرب في وقت العشاء بالمزدلَفة.
4ـ وعند الحنابلة يُسنُّ الجمع تقديمًا بعَرفة وتأخيرًا بالمزدلفة، ولا يجمع في السفر إلا إذا بلغ مسافة القصر، ويجوز للمريض الجمع إذا شقَّ عليه الصلاة في وقتها، وكذلك للمُرضِع المُستحاضة دفعًا لمشقّة الطهارة عند كل صلاة “ومثلهما من به سَلَس بول” ويجوز الجمع للعاجز عن معرفة أوّل الوقت كالأعمى أو السّاكن تحت الأرض كعمال المناجم مثلاً، ولمن خاف على نفسه أو ماله أو عرضه أو يخاف ضررًا يلحقه في معيشته بترك الجمع ـ وفي ذلك تيسير على العُمّال الذين يستحيل عليهم ترك العمل لأداء كل صلاة في وقتها كما قالوا : يجوز الجمع بين المغرب والعشاء خاصّة بسبب الثلج والبرد والجليد والوَحل والريح والمطر الذي يَبِلّ الثوب وتحصل به المشقّة، ولا فرق في ذلك بين أن يصلِّيَ في داره أو بالمسجد ولو كان طريقه مسقوفًا، والأفضل أن يختار الأسهل عليه من التقديم والتأخير، مع شروط وضعوها لجواز التقديم والتأخير، كالترتيب ونيّة الجمع والمُوالاة ودوام العذر… لا مجال لتوضيحها هنا.

انظر فتح الباري لابن حجر “ج 2 ص 164” ونيل الأوطار للشوكاني ج 3 ص 264 والفقه على المذاهب الأربعة.

والله أعلم.