السؤال:

أم لستة أولاد كتبت تقول إن أكبر أولادها حصل بعد تخرجه على عمل، وهي تَحصل على مُرتَّبه كله، بالإضافة إلى المعاش المَوروث عن والده؛ لأن المعاش وحده ليس بكافٍ للإنفاق على الأسرة. وهي إذْ تحصل على مرتبه تحصل عليه برضاه، وتنظر إلى ابنها الأكبر هذا على أنه مكان أبيه المتوفَّى، في المسئولية عن إخوته والأسرة كلها وتسأل عن أمرينِ: الأمر الأول: هل حصولها على مرتب ابنها حرام؟ الأمر الثاني: هل إذا توفَّر منه شيء يُمكن أن تساعد بما توفر بنتًا لها حصلت على دبلوم ولكن لم تُباشر عملاً فيما بعد؟  

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

يقول الدكتور محمد البهي من علماء الأزهر الشريف رحمه الله:

نظرة الأم إلى وَلدِها الأكبر باعتبار أنه يحلُّ محلَّ والده في المسئولية الأدبية والاقتصادية عن الأسرة: نظرةٌ سليمة.

وإذا كان هذا الولد يُباشر هذه المسئولية عن رضا واقتناع فهو وفيٌّ لمسئوليته الأسرية؛ لأن نفقة الأقارب تجب على المُوسر بينهم، وأكبر الأبناء هنا بالنسبة لإخوته هو الذي يُمكن أن يُنظر إليه على أنه المُوسر فيهم.

وما يتوفَّر لدَى الأم السائلة من مرتب الابن الأكبر: هو ملْك له، ويجب أن يُستأذن في توجيه بعضه إلى شقيقته، فإنْ أذِن استحلَّت شقيقته ما يُعطى لها من أمها.

وهكذا: مُوافقة الابن الأكبر على أن تأخذ أمه مُرتبه كاملاً للإنفاق منه على إخوته: يجعل حصول الأم على هذا المرتب حلالاً، وكذلك إذْنه في توجيه بعض ما توفَّر منه إلى شقيقته: يُجنِّب تصرُّف الأم في مال ولَدها، الانحراف والخطأ.

والابن الأكبر يستحقُّ الثناء والشكر. ليس لأنه يؤدى ما يجب عليه شرعًا؛ ولكن لأنه يرضى بأن يُؤْثر أسرته وأخوته على يتصل بخاصة نفسه، فهو لا يَحتجز شيئًا مِن مُرتبه يُدبّ‍ِر به أمر نفسه مستقبلاً، كما يُقال: فقد كان يُمكن أن يقتطع منه لنفسه ما تُوفره أمه الآن منه، وتطلب الطريق السويَّ لإنفاقه، فهو إنسان يُضحي برغباته الشخصية في سبيل مَصلحة عامة تعود على أقربائه.
والأم تستحق أيضًا الشكر والثناء، فهي لا تريد أن تستغل “طيبة” ابنها ورضاه في تسليمها المرتب كاملاً، إنْ كان صاحب إرادة وشخصية قوية في نفسه.. كما لا تُريد أن تستغل استسلامه لها، إنْ كانت هي ذات تأثير قويٍّ عليه منذ صغره حتى إنه تعوَّد على أن لا يخرج عن طاعتها.
ولأنها لا تريد استغلاله على أيِّ نحو: تسأل عن شرع الله فيما يُعطيه ولدها.. وفيما تأخذه منه لبَقية أولادها.
ولكن عليها ـ قبل ولَدها وإخوته ـ أن ترعَى مصلحته الخاصة.. وإن توجه بقية أبنائها إلى مشاركتها في بناء مُستقبله، فهو إنْ لم يكن الآن مُتطلِّعًا إلى بناء أسرة خاصة به، فقد يكون الحافرُ لدَيْهِ على بناء هذه الأسرة قويًّا، فما توفره من المرتب يظل له ولشُئونه الخاصة.. وعندما تعمل أختٌ أو يعمل أخٌ له يجب أن يُسْهم في نفقات الأسرة الكبيرة حتى يُحسَّ الابن الأكبر بتضامُن إخوته معه.. وبالتالي يمكن له الآن أن يقتصد من مُرتبه ما يَبني به مستقبل نفسه.
وبهذا .. وذاك: تظلّ الأسرة قويةً في تماسُكها وتضامُنها، والفضل في هذا التماسك والتضامن يعود إلى الأم، السائلة هنا، ونحن بدورنا نُحيِّيها ونتمنى للأسرة الترابُط على أساس من الإيمان بالله، وشرْع الله فيما يُحدِّده في السلوك والتصرُّفات.

والله أعلم.