السؤال:

ما قولكم في حمل الجنائز إذا بعدت المسافة بين المساكن والمقابر، هل الأفضل أن يكون على حمل الجنازة على الأعناق وتكون تلك الهيئة مما تعبدنا الله به فتتحتم أم نحكم بفضلها مطلقًا فتندب والحاملون لها مأجورون، أم يكون الأفضل الآن لتغير الفتوى واختلافها بحسب الأحوال ، حملها على عربة مخصوصة تجرها الخيل؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد. فيقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله- : لم يرِد في الكتاب ولا السنة نص في وجوب حمل الجنازة ولا في ندبه كما وردت الأحاديث في الصلاة عليها وفي التكفين والتحنيط والدفن، نعم إنهم كانوا يحملونها عملاً بالعادة المتبعة ، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( أسرعوا بالجنازة فإن كانت صالحة قربتموها إلى الخير ، وإن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم ) رواه الشيخان وأصحاب السنن .

والجمهور على أن الأمر هنا للاستحباب ، وقال ابن حزم : بل هو للوجوب على الأصل فيه، وورد أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسرعون بالجنازة ، فالإسراع بها سنة عملية ثابتة بالنص والعمل جميعًا ، ومع هذا عدها الجمهور مستحبة ولم يحرموا تركها ، بل لا أذكر أنني شيَّعْت جنازة مع علماء مصر إلا وكان السير بها دون السير المعتاد .

وكثيرًا ما تُحمل جنازة بعض الوزراء وأمراء العسكرية على عربة مدفع ويشيعها العلماء من جميع المذاهب ولا ينكر أحد منهم ذلك عند التشييع ولا بعده، ولست أعني أن سكوت هؤلاء العلماء عن إنكار شيء حجة على مشروعيته ، وإنما أعني أنهم لا يفهمون من أمر حمل الجنازة على الأعناق إلا أنه عادة ، فإذا تعسر العمل بهذه العادة وكان فيه مشقة أو نفقة فلا بأس بالعدول عنه ولا سيما إذا كانت النفقة في مال اليتامى .

ومن فوائد العدول الإسراع المأمور به في السنة، ويمكن الجمع بين الأمرين بنقل الجنازة على العربة إلى المقبرة أو قربها وحملها هنالك إلى القبر، وإذا لم يكن هنالك مشقة بأن كانت المقبرة قريبة ، فالأولى أو الأفضل أن لا تترك عادة السلف الصالح بشبهة إكرام الميت، وينبغي في حال العدول اتقاء التشبه بأهل الأديان الأخرى .
والله أعلم . مجلة المنار مجلد 15 .