السؤال:

ما هي المُناسبة بين خلق الإنسان من علَق والتعليم بالقلم في قوله تعالى: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقَ . اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ . الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ)؟

الجواب:

سورة (اقْرِأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) هي أول ما نزل من القرآن الكريم كما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ وَوَجْهُ المناسبة بين الخلْق من علَق والتعليم بالقلم وتعليم العلم ـ أنَّ أدْنى مراتب خلق الإنسان كونُه عَلَقةً، وأعلاها كونه عالمًا، فهو سبحانه امتنَّ على الإنسان بنقْله من أدْنى المراتب وهي العَلَقَة إلى أعلاها وهي العلم، قال الزَّمخْشري: فإن قلت: لِمَ قال: “مِنْ عَلَقٍ”، وإنما خُلق من علقة واحدة كقوله تعالى: (مِنْ نُطْفَةٍ ثُمُّ مِنْ عَلَقَةٍ) قلت: لأنَّ الإنسان في معنى الجمع كقوله تعالى: (إِِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) أي الناس والأكرم هو الذي له الكمال في زيادة تكرُّمه على كلِّ كريم، يُنْعِمُ على عباده النعم التي لا تُحصى، ويَحْلُمُ عليهم فلا يُعاجلهم بالعقوبة مع كُفْرهم وجحودهم لنِعَمِهِ، ورُكوبهم المناهي واطِّراحهم الأوامر، ويَقبل توبتهم، ويتجاوز عنهم بعد اقترافهم العِظام، فما لكرمه غاية ولا أمَد، وكأنه ليس وراء التكريم بإفادة الفوائد العظيمة تكرم، حيث قال:
(الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنَسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)، فدلَّ على كمال كرمه بأنه علَّم عباده ما لم يَعلموا، ونقلهم من ظُلمة الجهل إلى نور العلم. ونبَّه على فضل الكتابة لما فيها من المنافع العظيمة التي لا يُحيط بها إلا هو، وما دُوِّنَت العلوم الأُوَل، ولا قُيِّدَتْ الحِكَم، ولا ضُبِطَتْ أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كُتُبُ الله المنزَّلة إلا بالكتابة، ولولا هي ما استقامت أمور الدِّين والدنيا، ولو لم يكن على دقيق حِكمة الله ولطيف تدبيره دليلٌ إلا أمورُ القلم والخط لكفى به.
ويتصل بهذا سؤال عن العلقة السوداء التي أُخرجت من قلب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في صِغَرِه حين شُق فؤاده، وعن قول المَلَك: هذا حظُّ الشيطان منك، وقد أجاب الشيخ تقي الدين السبكي بقوله: تلك العلقة التي خلقها الله تعالى في قلوب البشر قابلة لِمَا يُلقيه الشيطان فيها، فأُزِيلت من قَلْبه ـ عليه الصلاة والسلام ـ، فلم يبْقَ فيه مكانٌ قابل لأنْ يُلقِي الشيطان فيه شيئًا، هذا معنى الحديث، ولم يكنْ للشيطان فيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ حظٌّ قطُّ، وإنما الذي نفاه المَلَك أمر هو في الجِبِلَّات البشرية، فأُزِيل القابل الذي لم يكن يَلْزم من حصوله حصولُ القذْف في قلبه ـ عليه الصلاة والسلام ـ، فقيل له: لِمَ خلَق الله هذا القابل في هذه الذات الشريفة وكان يُمكنه ألا يَخْلُقَه فيها؟ فقال: لأنه من جملة الأجزاء الإنسانية، فَخَلْقهُ تكمِلَةٌ للخَلْق الإنساني، فلا بد منه، ونزْعُه كرامة ربانية طَرَأَتْ بعده. انتهى “الدميري – العَلَق – حياة الحيوان الكبرى”.


الوسوم: