السؤال:

ما حكم الدّين في قول بعض الناس: إن أصل الإنسان قِرد؟

الجواب:

جاء “شارل داروين” الإنجليزي المتوفّى سنة 1882م بعد “لامارك” الفرنسي المتوفّى سنة 1829م بمذهبه في أصل الخليقة الذي أثار ضجّة في الأوساط العلميّة عندما ظهر كتابه “أصل الأنواع” سنة 1859م وكتابه “تسلسل الأنواع” سنة 1871م وهو يشتمل على ثلاث مسائل، خلاصتها أن العالَم نشأ بالتّرقي والتطور، والإنسان كذلك حدث بهذه الطريقة، وأنه لمشابهته للقِرد لا يمنع أن يكون قد اشتُق هو والإنسان من أصل واحد، وكذلك قال: إن العقل والحياة ظاهرتان ترجعان إلى المادة.
إن “داروين” لم يُقم دليلاً كافيًا على كلامه، وإنّما هو مجرد افتراض واحتمال، واعتمد في افتراضه على تطوير نوع من الزهور والنباتات، غيّر شكلها ولم يغير جوهرها، ولم ينجَح في شيء من عالم الحيوان.
يقول “س.فان هوفنسفيلت” في تفنيد هذه النظرية: إن النتائج التي وصل إليها الباحثون في الأحياء المتحجِّرة لم تساعد على إقامة أي دليل على التسلسل أو التطور التدريجي، بل ثبت على عكس ذلك أن الفروق الدقيقة بين صفوف الأجناس التي نعرفها بَقِيَتْ على الدوام فاغرة ولم تتلاشَ، أو تقرُب من ذلك.
إن الأجدر بالإنسان ألا يجهد نفسه كثيرًا في محاولة الوصول إلى معرفة خلق الإنسان، إذ أن الصانع وحده هو الذي يعرف حقيقة ما صنع، وأما المصنوع فلا يصل ولن يصل إلى إدراك كيفية وجوده وخلقه، وما يعرِفه من ذلك قليل.
إن الكلام في هذا الموضوع طويل وما قاله “داروين” مجرّد احتمال، فإن أنكر أن الله هو الخالق الحقيقي فهو مُلحد من مَلاحدة الماديِّين، وقد ردَّ عليه كثيرون من علماء الطبيعة، ونحن كمسلمين نؤمن بأن الله خلق آدم من طين ومن حمأ مسنون ومن صَلصال كالفخار ومن ماء. وورد أن الله خلق الإنسان نوعًا مستقلاً، لا بطريق النشوء والاشتقاق من نوع آخر، وإن كان كلا الأمرين من الجائز العقلي الذي يدخل تحت قدرة الله تعالى، قال بعض العلماء: إنه لا يوجد في النصوص أن الله خلق الإنسان الأول من تُراب دفعة واحدة، أو بتكوين متمهّل على انفراده، فسبيل ذلك التوقُّف وعدم الجزم بأحد الأمرين، حتى يقوم الدليل القاطع عليه، فنعتقده ما دام أن الذي فعل ذلك كله هو الله تعالى، ثم إن النواميس المذكورة في مذهب “داروين” ظواهر واضحة في الكون، ولا حرج في اعتقادها ما دام أن الله هو الذي خلقها ووجهها، فهي لا تحقق وجودها من نفسها (ذَلَكُمُ اللُه رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْء) (سورة الأنعام: 102) فهو خالِق المادة والنواميس.
هذا، وقد سبق شرح الحديث الشريف: “إنَّ الله خلَق آدم على صورتِه” رواه البخاري ومسلم، وذكرنا أن بعض الأقوال تفسِّره بأن الله خلق آدم على صورته التي هو عليها، لم ينتقل في النشأة أحوالاً ، ولا تردّد في الأرحام أطوارًا كذريّته، بل خَلَقَه رجلاً كاملاً سويًّا من أول ما نفخ فيه الرُّوح، وكان على أحسن صورة كما قال سبحانه: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْويمٍ) (سورة التين: 4) فيُرجع إليه لتكتمل الصورة في فهم هذا الحديث(1) ويمكن الرجوع إلى “مجلة الأزهر ـ المجلد الثاني ـ صفحة 749، وكتابي دراسات إسلامية لأهم القضايا المعاصرة، وكتاب الجواب الإلهي، أو الإسلام أمام العلم والفلسفة للشيخ نديم الجسر”.