السؤال:

إنِّي زوجة لرجُل ثريٍّ من أربعين عامًا. وقد مرِضتُ، ويحتاج علاجي إلى مبلغ كبير من المال شهرِيًّا. فهل يلزم الزوج الإنفاق على علاجي؟

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

للمرأة على الرجل حق النفقة والسكنى، والطعام والكساء، أما العلاج فلا يلزم به قضاء، وإن كان من باب الإكرام والأدب وحسن العشرة أن يقوم بعلاجها تحقيقا للدرجة التي يسبقها بها في قوله تعالى “وللرجال عليهن درجة”.

يقول الدكتور محمد البهي من علماء الأزهر رحمه الله:

الإنفاق على الزوجة من قِبَل زوجها في المطعم والملبس، واجب عليه شرعًا، بدون خلاف.

فقد رُوِيَ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قولُها: “إن هندًا قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شَحيح، وليس يُعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم. فقال: خُذِي ما يَكفيكِ وولدكَ بالمعروف”. فأذِن الرسول ـ عليه السلام ـ لزوجة يشِحُّ ويقتِّر عليها زوجها في الإنفاق عليها وعلى ابنة منها، بأن تأخذ من ماله ما يكفيها ويكفي ولدها حسَب العُرف الجاري، دون الحاجة إلى إذنه يدُلُّ دلالة واضحة على حقِّها قبل زوجها في نفقتها ومعيشتها.

وحقها في النفقة على زوجها يدخل في مماثَلة الحقوق والواجبات بين الزوجين، فيما يقول الله تعالي: (ولَهُنَّ مِثْلُ الذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْروفِ) (البقرة: 228).

أما ما تسأل عنه السيدة هنا من إنفاق الزوج على علاج زوجته، فإن علاج الزوجة لا يدخل في هذه الحقوق والواجبات المماثلة. على معنى أنه ليس حقًّا للزوجة على زوجتها، وبالتالي ليس واجبًا على الزوج تِجاه زوجته في مقابل حقٍّ له عليها. وبعبارة أوضح لو التجأت الزوجة إلى القضاء في الحكم لها على زوجها بنفقة العلاج، فإنّه لا يستجيب لها في ذلك، كما يستجيب لها في طلبها الحكم بنفقة المأكل، والملبس، والسُّكني.

ولكن الآية التي تحدَّثت هنا عن الحقوق والواجبات المتكافئة للزوجين، وهي: (ولَهُنَّ مِثْلُ الذِي عَلَيْهِنَّ بالمعْروفِ).. ذكرت عقب هذه المماثلة: (وللرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجةٌ) (البقرة: 228).

ومعنى أنَّ للرجال الأزواج على النساء الزوجات درجة هو أن الأزواج يجب أن لا تبقى معاملتهم لأزواجهن في حدود المماثلة بين الحقوق والواجبات. وإنما يجب أن ترتفع فوق هذه المماثلة، بحيث يكون للرجل فضل وزيادة عن هذه المماثلة في معاملته لزوجته.

ومعنى ذلك ـ أيضًا ـ أن الرجل لا يقف بمعاملته لزوجته في حدود المماثلة. وإنَّما ينبغي أن يكون ذا فضل، هو فضل المحسِن والإنسان الكريم المهذَّب. فالعلاقة بين الزوج وزوجته ليست علاقة مبادَلة حرفيَّة، مِثلاً بمِثله. وإنَّما هي علاقة إنسانية في مستواها الرفيع. يجب أن يتميَّز الرجل فيها ليس بمُمارسة العضلات، أو بممارسة الاستضعاف، أو بالخشونة والغلظة في المعاملة، وإنَّما بالإحسان. وهو التهذيب الإنساني في أرقى مستوى له.

وإذنْ درجة الرجل على المرأة في العلاقة الزوجية، هي منزلة أدبيّة، تستتبع سلوكًا إنسانيًّا كريمًا يفوق ما تستطيعه المرأة.

وعن هذه الدرجة والمنزلة الأدبية يجب وجوبًا أدبِيًّا ـ وليس وجوبًا قضائيًّا ـ على الرجل الثريِّ في هذا السؤال أن يتحمَّل نفقة العلاج لزوجته. وعليه أن يذكر مدة الأربعين عامًا التي عاشتْها زوجتُه معه رفيقةً له، تُشاركه سرّاءَه وضَرّاءه فيها. يروي أبو هريرة عن رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال: “دينارٌ أنفقته في سبيل الله “أي في الخير العام” ودينار أنفقته في رَقبة “أي في تحرير إنسان من رِقٍّ فرديٍّ أو جماعي” ودينار تصدَّقت به على مسكين “أي أعطيته لصاحب حاجة، لا يستطيع جُهده في العمل أن يغطِّيَ احتياجاته أو احتياج أسرته وأولاده” ودينار أنفقته على أهلك “أي على زوجتك” أعظمها أجرًا “أي عند الله” الذي أنفقتَه على أهلِك”. وبذلك ما يُنفِقه الزوج على زوجته قُربى مفضَّلة عند الله على صنوف الخير كلها.

والله أعلم.