السؤال:

مواطن من أحد المراكز يذكر أنه قبل وفاة والدته تخاصمت زوجته معها، وكانت الزوجة هي المُخطئة في حقِّها فأوصتْه والدته بأن يتزوَّج عليها واحدةً أخرى، وقالت له يَحْرم عليك ثدْيي إذا لم تتزوَّج عليها. وبعد ذلك سافر إلى بعض البلاد العربية، وعندما عاد منها وجد والدته قد انتقلت إلى رحمة الله. وهو الآن لا يُريد الزواج بأخرى؛ لأنه أنجب منها أولادًا ثلاثة، ولكنه يُريد أن يُنفذ وصيَّة والدته، فماذا يفعل؟

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

 

الزواج بامرأة أخرى لا يمنع منه الشرع، ما دام الرجل سيحقق العدل بينهما، ولكن أن يكون ذلك بطلب من الأم رغبة في الانتقام من زوجته، فيجوز للرجل مخالفة أمه لأن الزواج بأخرى، قرار من الرجل

وحده شرطه أن يكون قادرا على تحقيق العدل، وتهديد أمه له لا يقف عنده بل عليه أن يدعو لها بالرحمة والمغفرة.

 

هذا فحوى ما قاله الدكتور محمد البهي من علماء الأزهر الشريف رحمه الله:

 

إن والدة السائل عندما طلبت منه أن يتزوج بامرأة أخرى على زوجته التي هي في عِصْمته الآن كانت في ثورة غضب عليها؛ لأنها أحسَّت بأنها أُهينت منها وفي وُجود ابنها، وهي كأمٍّ لها في مثل هذا

الوضْع كبرياؤُها فإحْساسها بالإهانة إحساسٌ عميقٌ.

 

وهي إذ توصي ابنها بأن يتزوج على زوجته الحالية امرأةً أخرى، فإنها في واقع الأمر تطلب عُقوبتها وتُبالغ فيها تنفيسًا عن غضبها.

 

فليست هناك وصيَّة. وإنما هناك طلب تنفيذ عقوبة معيَّنة، فهل تعدُّد الزوجات مصدر عُقوبات للمرأة؟ إن تعدُّد الزوجات في نظر القرآن رُخْصة. على معنى أن الإسلام يُرخِّص للرجل بأن يتزوج ثانيةً وثالثةً

ورابعةً ويجمع بينهن لضرورة تُجنِّبه ارتكاب الفاحشة وهي الزنا، ففي سبيل الخشْية من الزنا يُحلُّ الله للرجل أن يجمع بين امرأتينِ فأكثر إلى أربع..؛ لأنه يرى أن علاقة الزوجية علاقة علنية: فنسَب الأولاد

في ظلِّها، واضحٌ.. ومسئولية الرجل في الإنفاق عليها وفي حمايتها وفي المشاركة معها في بناء الأسرة مسئولية واضحة.. وحقوق المرأة قِبَله واضحة.. بينما علاقة الزنا علاقة سِرِّية.. ومسئولية

النسَب للأولاد مسئولية ضائعة.. وكذلك المسئولية نحو المرأة التي شاركت الرجل في ارتكاب الفاحشة غير قائمة.

 

يقول الله ـ تعالى ـ: (وإنْ خِفْتُمْ ألَّا تُقْسِطُوا في اليَتَامَى “أيْ إنْ خِفْتمْ أن لا تعْدِلوا فيِ أَمْوالِ الْيَتَامَى إنْ تزوجتم بهنَّ وانصرفتم من أجل ذلك عنهنَّ.. وخشيتم الوقوع في الزنا” فانْكِحُوا مَا طَاَبَ لكمْ مِنَ

النساءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ). (النساء: 3).. ومع الترخيص بتعدُّد الزوجات على نحو ما جاء هنا في الآية فإنه مَشروط بالعدْل بينهنَّ في المعاملة… وفي الإحساس بالمسئولية نحوهنَّ… وفي الإنفاق

والحِماية لهنَّ.. وإنْ لم يستطع الرجل العدل بين مَن يتزوج بهنَّ أو يرغب في الزواج مِنهنَّ فيجب أن لا يزيد عن واحدةٍ… وألا يكون عندئذ ظالمًا وخارجًا عن نطاق الترخيص: (فإنْ خِفْتُمْ ألَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً).

(النساء: 3).

 

وهكذا: تعدد الزوجات للرجل رُخصة مشروطة، وليس نوعًا مِن العقوبة فيتزوج الرجل ثانيةً ليُعاقب بها زوجته التي هي في عِصْمته.

 

وطلَبُ أمِّ السائل منه أن يتزوج بأخرى على أمِّ أولاده، هو نوع من العقوبة لا يُقرُّها الإسلام على توقيعها على الزوجة أم الأولاد.. والسائل قد أحسن لنفسه ولدِينه بأن عزَم على ألاَّ يتزوج بأخرى. فهو

يقول في رسالته: “وأنا لا أريد الزواج من واحدة أخرى غير زوجتي” فزواجه بالثانية ارتكاب إثْمٍ ومَعصية لكتاب الله؛ لأنه لو تزوَّج الثانية لا يكون قد استخدم رُخصة تعدُّد الزوجات. وإنما يكون قد أنزل عقوبة

بزوجته الأولى، ممَّا يُخالف ما ورد في كتاب الله بشأن تعدُّد الزوجات.

 

وقول الأم لابنها السائل: “يَحرُم عليك ثدْيي” وهو نوع من التهديد لحمْله على الزواج بأخرى، ومثل هذه العبارة وإنْ كانت قد تُثير عاطفة الابن، وربما تجعله مُتحيِّزًا لها وبعيدًا فترة عن زوجته: إلا أن التهديد

بها تهديد أجْوف، لا واقع له، فهي لا تستطيع أن تُحرِّم الرضعات التي أرضعتْه إيَّاها في طفولته الأولى، ولذا يجب أن يمر بها السائل غير مُكترث بها. وما يفعله الابن هو أن يدعو الله لأمة أن يَغفر لها

أخطاءها، وأن يُظلَّها برحمته.. وأن يعيش في مستقبل أولاده وزوجته، ويسعى في سبيل تماسُك أسرته واستقرارها ويدعو الله لها بالحماية من اتِّباع الهوى والانحراف في عصرنا الماديّ التي تعيشه

الإنسانية الآن.

 

والله أعلم.