السؤال:

شاب من إحدى المحافظات يذكر هو شاب في معهد متوسط ويُريد أن يكون مؤمنًا، مستقيم السلوك ولكنه يفتقد القُدوة الحسنة في أبيه. فقد أنفق والده جميع ما وَرِثه على النساء في مُعاشرتهنَّ معاشرةً غير شرعية، وأهل القرية يعرفون ذلك. ويُسيء معاملة والدته، ويسلك معها طُرقًا غير شريفة في أكْل مالها بالسُّحْت.. وهي تتَّجرُ في مالها الخاص. ولكن لا يتركها وشأنها. وفوق ذلك فهو يُفْشي الأسرار الزوجية ويتكلم عن النوم في الفراش مع والدته للصغير والكبير. وهو غير أمِينٍ على ابنته. ويُفسر القرآن تفسيرًا خاطئًا فيقول مثلاً في قوله تعالى: (وما الحياةُ الدنيا إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ) أنه مطلوب من الناس أن تلهو وتلعب في هذه الدنيا. ويسأل: 1ـ هل لمثل هذا الأب حق في أن نحترمه مثل الآباء الآخرين؟ 2ـ وإذا كان له الحق علينا.. فماذا نفعل عندما يريد أن يدخل الدكان ونحن نعرف أنه ربما يَسرق على سهوٍ مِنَّا؟ 3ـ هل مِن حقِّه أن يُعاشر والدته ـ أيْ والدة السائل ـ مُعاشرةً زوجية؟  

الجواب:

بسم الله والحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

 

فيجب فهم حالة الأب جيدا ربما أصابه مكروه أو لديه مرض نفسي، ومهما فعل فله حقُّ الاحترام من أولاده، ولا يُمنع من دخول محلِّ التجارة، ولكن تُراقب تصرُّفاته مُراقبةً غير مكشوفة، ومن حقِّه أن

يُعاشر والدة السائل معاشرة زوجية، فليس ادِّعاء سرَقة المال أو ارتكابه الفاحشة مع أخرى من المَوانع الشرعية في علاقة الزوج بزوجته.

 

 

يقول الدكتور محمد البهي من علماء الأزهر رحمه الله:

 

هو شاب يُريد أن يكون ناجحًا في دراسته.. ومُستقيمًا في سلوكه.. ومشاركًا للمسئولية في أسرته.. ولكنه لا يستطيع؛ لأن إرادته ليست كافية في إنجاز ما يَستهدفه من حياته في النجاح في

الدراسة، والاستقامة في السلوك، والمشاركة في المسئولية الأسرية.

 

 

فهناك الأب ورب الأسرة يَطغَى بعبثه وفساده، فلا يترك له نافذةً ينفُذ منها إلى ما يريد: يُباشر الفحشاء والمنكر، ويُسرف في مُخالطة النساء وسرقة المال من أهل بيته، لا يُؤتمن على عِرْض، وليست

لديه حُرمة لمالٍ خاصٍّ مملوك لزوجته، ولا يُؤتمن على أسرار العلاقة بينه وبين زوجته، فقد عَرَّى نفسه من صفات الرجولة، وكشف علاقته الزوجية بحيث أصبح الآخرون يَعرفون خَفاياها.

 

والسائل ـ وهو ولده ـ يرى في أبيه قدوة سيئة، كما يرى أنه فقد الاحترام منه ومِن أمه وأخته، على السواء.

 

يرتكب فاحشة الزنا.. ويُباشر المنكر مِن سرقة المال.. كما يُباشر الاعتداء بالضرب والإيذاء، إذا لم يُمكَّن من سرقة المال وهو لزوجته.

 

إن المنزل إذا كان مِن العوامل الجوهرية التي تُؤثر على الشاب في تكوينه إيجابًا أو سلْبًا، بجانب الوسط الذي يعيش فيه، والمدرسة التي يتردَّد عليها: فإن الأب في الأسرة والمنزل يكاد يكون صاحب

الشأن الأول في التوجِيه، فإن ساء خُلقه ساءت قدوته وساء بالتالي أثره على الأولاد.

 

 

ومن حقِّ الأولاد أن يتردَّدوا في احترام أبيهم إذا ساء سلوكه ونالَهم أذَاهُ، ولكن مع ترددهم في احترامه، فإنه لا ينبغي لهم أن يُظهروا له عدم الاحترام أو عدم الاكتراث بشأنه. بل يجب أن يكون موقفهم

منه هو موقف الحريص على مُصاحبته بالمعروف دائمًا، فمهما كانت الإساءة المُوجَّهة منه، فليس هناك جُرْم أكثر من الشرْك بالله، ومع ذلك فكتاب الله يُوصي الأبناء بعدم اتباع الوالدينِ في حمْلهم على

الشرك، وفي الوقت نفسه يُوصيهم بعدم التخلِّي عن مُصاحبتهم بالمعروف. فيقول: (وإنْ جَاهداكَ علَى أنْ تُشْرِكَ بِي ما ليسَ لكَ بهِ علْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وصَاحِبْهُمَا في الدُّنْيَا مَعْرُوفًا). (لقمان: 15).

 

 

إنَّ مثل هذا الأب قد تجرَّد من صفاتٍ طيبة عديدة ـ على الأقلِّ في نظر أولاده ـ قد يكون مريضًا من الوِجْهة النفسيَّة.. قد يظنُّ أنه فقد اعتبار الناس له فتَزداد إساءتُه إلى أسرته تَغطيةً لمَا يُحِسُّ به من

نقْص فيما حوله، وهنا ربَّما يُعيدُ احترام أُسرته له: الإحساسَ بالاعتبارِ البشريِّ. وعندئذٍ يعودُ إليه التوازُن في التصرُّف، فيكف عن الفاحشة والسرقة للمال، ويُقْدم على الإسهام والمشاركة في عمل

الأسرة وإنماءِ مالِها.

 

 

إن أيَّ والدٍ يُحسُّ باحتقار أولاده له: يُحسُّ في الوقت نفسه بالضعف والمذلَّة، وإذا أحسَّ بالضعف والمَذلة فلا يُرجى له إلا أن يزداد في إساءته لنفسه ولأسرته، ومن الحِكْمة أن لا يعمل الأولاد على إذْلال

والدهم، وأولَى بهم أن يُساعدوه على أن يَستعيد احترامَه بينهم أولاً.

 

فإذا أحسَّ باحترامِهم إيَّاه حرص على أن يظل محترمًا بينهم. وذلك بتَغيير سلوكه وتصرُّفاته إلى النموذج الأحسن، وعندئذ تُحلُّ مشكلته بالتدريج ويُصبح على الأقل عُضوًا نافعًا في الأسرة إنْ لم يكن ربَّها

والمُوَجِّه فيها كما كان مِن قبل.

 

 

وعلى السائل أن يترك طريق المُواجهة لأبيه.. وأن يَبتدئ معه بالمَودَّة القائمة على الاحترام وعلى والدة كذلك أن لا تُقيم العقبات في عودة الحياة الزوجية بينها وبين زوجها. فإن ذلك مِن شأنه أن يُعيده

إلى التصرف الطبيعي. ولْتَغفرْ له ما مضى من ارتكابه الفاحشة والمنكر، ولا تُعيد إلى ذاكرته اليوم ما كانَ منه بالأمس. وخيرُ السُّبل أن تكون عاديةً معه كزوجٍ لها وأبٍ لأولادها.

 
والإنسان طالما لا يُصرُّ على الخطأ فقد يعود إلى الصواب لحظةً ما. وعلى أية حالٍ هو والد، والله يهديه إلى سواء السبيل. ولتوضيح الإجابة على أسئلة السائل:

 

 

أولاً: إن الأب لم يزل له حقُّ الاحترام من أولاده.

 

ثانيًا: يجب أن لا يُمنع من دخول محلِّ التجارة. وفي أول الأمر تُراقب تصرُّفاته مُراقبةً غير مكشوفة.

 

ثالثًا: من حقِّه أن يُعاشر والدة السائل معاشرة زوجية، فليس ادِّعاء سرَقة المال أو ارتكابه الفاحشة مع أخرى من المَوانع الشرعية في علاقة الزوج بزوجته.

 

والله أعلم.