السؤال:

في الآيات القرآنية أن كلَّ شيء يُسبِّح الله، فبأي لُغة يكون هذا التسبيح؟

الجواب:

التسبيح معناه تنزيه الله تعالى عما لا يليق به، وقد يكون ذلك بالقول وبالفعل، وبأية صور تُنْبيء عن ذلك كالصلاة وذِكر الله تعالى، وهذا التسبيح يَلزَمه الإيمان بوجود الله وبألوهيته، ومثله السجود بمعناه العام وهو الخضوع واللجوء إليه، والكون كله ساجد لله ومسبح له بهذا المعنى، والنصوص في ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: (سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)، وقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَاْلَأرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) (سورة النور:41)، وقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ…) (سورة الحج :18)، وقوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (سورة الإسراء:44)، والتسبيح الذي يَعتمِد على اللغة ليس كل إنسان قادرًا على فهمه، فلكلٍّ من المخلوقات لغتُه، ولا يفهمها إلا من خَصَّه اللهُ من عباده المقرَّبين كداود وسليمان ـ عليهما السلام ـ: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيءٍ) (سورة النمل:16). وبعْض العلماء يقول: إن التسبيح باللغة يكُون من الأحياء النامية كالحيوان والنبات، وأما تَسْبيح غيرها كالجَماد فهو بمعنى الدلالة على وجود الله ووجوب عبادته، وقال بعضٌ آخر: قد يكون تسبيح الجمادات بلغة خاصة كما جاء في إكرام الله لداود بقوله: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشيِّ وَالْإِشْرَاقِ . وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ) (سورة ص :18-19).
والمُهمُّ أن كل الكائنات تُسبح وتَسْجد وتخضع لقدرة الله، ولكلٍّ لُغَتُها وطريقتها في ذلك، ومما جاء من النصوص والأخبار في هذا الموضوع إلى جانب ما ذُكِرَ:
1- رَوى البخاري عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: “لَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسبيحَ الطَّعام وهو يُؤكل”، وفي غير هذه الرواية عنه ـ رضي الله
عنه ـ: كُنَّا نأكل مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الطعام ونحن نسمع تسبيحه، وهناك عدة روايات في تسبيح الطعام مذكورة في الزرقاني على المواهب “ج5 ص 121”.
2- روى مسلم عن جابر بن سُمرة ـ رضي الله عنه ـ قال: وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: “إني لأعرف حَجَرًا بمكة كان يُسلِّم عليَّ قبْل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن”، قيل هو الحجر الأسود، وهناك عدة حوادث في تسبيح الحصا في يد الرسول وأبي بكر وعمر”المرجع السابق ص120”.
3- حُنين الجِذع الذي كان يخطب إليه، رواه البخاري وغيره، وقيل إنه متواتر، وسُمع لحَنِينِهِ صوتٌ كصوت الناقة العَشْرَاء، والكلام طويل عنه في: “الزرقاني على المواهب ج5 ص 133.
4- أخرج النسائي في سننه عن عبد الله بن عمر وأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نَهَى عن قتل الضُّفْدع، وقال: “نقيقها تسبيح”، وأخرجه ابن سُبيع في “شفاء الصدور” كما ذكره الدميري.
5- روى ابن ماجة في سننه ومالك في مُوطَّئِه قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: “لا يَسمع صوت المؤذِّن جِنٌّ ولا إنس ولا شجر ولا حَجَر ولا مَدَر ولا شيء إلا شَهِدَ له يوم القيامة”.
6- ذكر القرطبي في تفسير قوله تعالى: (وَإِن مِّن شَيءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) بعض أقوال منقولة عن عبد الله ابن مسعود، وأنس بن مالك أنَّ الجبال يُكلِّم بعضها بعضًا، كما ذكر في “ج13 ص165” ما تقوله بعض الطيور، وليس لذلك سند صحيح يُعتَمد عليه، ثم قال: الصحيح أن الكل يُسبِّح، للأخبار الدالة على ذلك، ولو كان التسبيح تسبيح دلالة فأي تخصيص لداود؟ وإنما ذلك تسبيح المَقال، بخلق الحياة والإنطاق بالتسبيح، وقد نصَّت السنة على ما دلَّ عليه ظاهر القرآن من تسبيح كل شيء، فالقول به أولى. وأقول: لقد أثبت العلم أن الحيوانات والطيور لغات تتفاهم بها، فلا استحالة في كَوْنِ كل المخلوقات تُسبح بحمد الله بلغة خاصة بها، وإن كُنَّا لا نفْهمها، كما أنه لا مانع من تفسير التسبيح بأنه بلسان الحال ليَعْتبر الإنسان ويؤمن ويَسجد لله ويُسبحَه: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) (سورة يونس: 101).