السؤال:

نريد شرح الحديث الشريف الذي يقول "خَيْرُكُمْ من تعلَّم القرآن وعلَّمه"؟

الجواب:

هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وتوضيح معناه يقتضينا أن نتحدث عن معنى الخير، وعن السبب الذي من أجله كان تعلُّم القرآن وتعليمه بهذه المنزلة العالية، وعن الآثار الواردة في فضل التعلُّم والتعليم، وعن واجبنا نحو القرآن الكريم.
فمعنى “خَيْرُكُمْ من تَعَلَّم القرآن وعَلَّمَه” أفضلكم من انتسب إلى القرآن عن هذه الصلة، وهل هو أفضل الناس على الإطلاق، أو أفضل جماعة مُعينة منهم؟ لقد ورد مثلاً قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ “خَيْركم خَيْركم لأهله” رواه الترمذي والنسائي والحاكم فهل الرجل الذي هو خير لأهله أفضل الناس جميعًا؟ توفيقًا بين التعبيرات الواردة في بيان الأفضلية قال العلماء: إن الأفضلية هنا نسبية أو بالإضافة إلى جماعة مُعينة من الناس . فأفضل المُشتغلين بالعلم هم المشتغلون بالقرآن، وأفضل المتعاملين مع الناس بالخير هم المتعاملون بالخير مع أهلهم، فكلٌّ في بابه أفضل، وبالنسبة لجماعته ونوعه أشرف.
ولماذا كانت أشرف مهمة علمية هي ما كانت مُتصلة بالقرآن الكريم؟ الجواب أن القرآن كلام الله، وكل ما كان مُتصلاً بالله كان أشرف شيء في الوجود، وأن القرآن دستور الحياة المثالية دنيا وأخرى، وكلُّ ما كان كذلك كانت الصلة به أشرف ، والانتساب إليه أكرم .وكلام الله عند تلاوتنا له وتفقُّهنا فيه يزيدنا إيمانًا بالله وإدراكًا لعظمته.
ودستور الحياة السعيدة كُلَّما تعمَّقنا في حفظه ودراسته قويت الرغبة في احترامه والعمل على الإفادة من هدايته . والمعرفة عن طريق القرآن معرفة صادقة، والتطبيق على أساسها مضمون النتيجة، وقال تعالى (فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَاي فَلا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) (سورة طه : 123) وقال (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِن الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (سورة إبراهيم : 2).
وتعليمنا للقرآن نشرٌ لهدايته، وتوعية للناس بدستورهم، وأساس لمعرفة حقوقهم وواجباتهم، والمعرفة هي طريق العمل، والثقافة داعية النهوض بالمجتمع. والقرآن بالذات جماع الثقافات الصحيحة والمعرفة الصادقة ، ودعوته دعوة للحضارة الأصيلة الشاملة، فهو ليس كتابًا روحانيًا مَحضًا يُرَتَّل للعبادة فحسب، بل هو نظام حياة كاملة في جميع قطاعاتها المادية والرُّوحية، إنه يدعو إلى العلم والعمل والتطور والنهوض، ويُربى جيلاً قويَ العقيدة، مستقيم الفِكْر، صافي النفس، متينَ الخُلُق، جديرًا بحياة كلُّها قوة ورخاء وازدهار.
ولأهمية القرآن وضرورته للحياة السعيدة جاءت النصوص الكثيرة مُرَغِّبَة في الإقبال عليه، مُحَذِّرة من التجافي عنه. ففي مجال تعلُّمه وقراءته وتدبُّره ودراسته والتفقه فيه جاء قولُ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (إِنَّ هذا القرآن مأدبةُ الله فاقبلوا على مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبلُ الله المتين، والنور المبين، والشفاء الناجع، عِصْمة لمن تمسَّك به، ونجاة لمن اتَّبَعه، لا يزيغ فيُستعتب، ولا يعوج فيقوَّم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخَلْقُ من كثرة الرد. اتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته، كل حرف عشر حسنات.أما إني لا أقول : آلم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف، وميم حرف” رواه الحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود.
وقال عُقبة بن عامر: خرج علنيا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونحن في الصُّفة، فقال: “أيُّكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق، فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطع رحم”؟ فقلنا: يا رسول الله كلُّنا يحب ذلك. قال : “أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل، خير له من ناقتين، وثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من أربع وأعدادهن من الإبل” رواه مسلم . وفي الحديث الشريف: “يا أبا ذر لأن تغدو فتتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلِّي مائة ركعة” رواه ابن ماجه بإسناد حسن. وفيه أيضًا “ومن سلك طريقًا يبتغي به عِلمًا سهَّل الله به طريقًا إلى الجنة” رواه مسلم “إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع” رواه الترمذي وصححه.
وفي جانب تعليم القرآن ونشر هدايته جاءت نصوص كثيرة مُرَغِّبة فيه، منها قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ “بلِّغوا عني ولو آية” رواه البخاري. وهو نفسه كان مُعلمًا ومُرشدًا كبقية الأنبياء والمرسلين.وكفى بذلك شرفًا. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) (سورة الأحزاب : 45، 46) وجاء في حديث أبي ذر “ولأن تغدو فتُعلِّم بابًا من العلم، عُمِلَ به أو لم يُعْمَل، خير من أن تصلي ألف ركعة” رواه ابن ماجه وحسَّنه وجاء في الاجتماع على طلب العلم وتعليمه، “ما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله يتلون كتابه الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفَّتهم الملائكة ، وذكرهم الله فيمن عنده” رواه مسلم. وجاء في مُعَلِّم الناس الخير بوجه عام قوله ـ صلى الله عليه وسلم: “من دعا إلى هُدىً كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص من أجورهم شيئًا” رواه مسلم.
وبعد، فإننا نهيب بالمسلمين جميعًا في مشارق الأرض ومغاربها أن يُعْنَوا بالقرآن الكريم تلاوة وحِفظًا وتدبُّرًا ودراسة وتطبيقًا وتنفيذًا، فبالقرآن تستقيم الألسنة باللغة، وتقوى العقيدة بالإيمان، وتتسع المدارك بالثقافة، وتزكو النفوس بالأخلاق ويقوى المجتمع بالعمل، وتنهض الأمة بالنظام.
عليهم أن يُعنوا بالقرآن الكريم ليسدُّوا منافذ العدو إلى العقائد والأخلاق، ولتبطل محاولات الاستعمار في الاعتداء على الأوطان، ولينهض المجتمع بما يدعو إليه من عمل على أساس العلم والإيمان.
لقد عنى به السلف الصالح فعزُّوا، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. اقرءوا القرآن فإنه يأتي شفيعًا لأصحابه يوم القيامة، ويُقال لقارئ القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت تُرَتِّل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها، علِّموه أولادكم حتى يُلبسكم الله تاجًا من نور يوم القيامة، كما وردت بذلك الأحاديث ولا تتخذوه مَهْجُورًا، بل طبِّقوا مبادئه تسعدوا في دنياكم وأخراكم، قال تعالى: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِه اللهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (سورة المائدة : 15،16).