السؤال:

نرجو تفسير قوله تعالى ( فلا أقسم بالشَّفَقِ واللّيْلِ ومَا وَسَقَ والقَمَرِ إذَا اتَّسَقَ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) (سورة الانشقاق : 16 ـ 19) .

الجواب:

في هذه الآيات مُقسَم به وهو الشّفق والليل والقمر، ومقسَم عليه وهو تغير الأحوال للإنسان في دنياه وفي أخراه، وبيان ذلك أن الشَّفق هو الحمرة التي تكون في الجو عند مَغيب الشمس على المختار من الأقوال في المراد به، ومعنى وسق جمع وضمَّ وحمل، فإذا جاء اللَّيل جمع الظَّلام تحت سلطانه كل كائن غابت عنه الشمس، وأوى إلى حيث يَبيت ويستريح ومعنى اتَّسق كمل واستوى، وذلك حين يكون القمر بدرًا. إنَّ هذه الأمور تبدو فيها ظاهرة التغير والتحول، فبعد ضوء النَّهار ومَا يبعث فيه من حركة ونَشاط تحت سلطان الشمس بقوتها، تَغيب تلك الشمس وتتوارى، ويَجيء الليل بظَلامه فيحد من الحركة ويقلِّل من النشاط ، وتصير الكائنات في حالة أشبه بالموت بعد الحياة. والقمر كان في المحاق ثم صار هلالا ازداد نوره حتى تم بدرًا، ثم يعود في دورته إلى المحاق والظلمة مرة أخرى. وكما هو معهود من التناسُب بين المقسم به والمقسم عليه نرى ظاهرة التغير والتحول واضحة في قوله:( لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). في بعض القراءات ” لتركبَنَّ ” بفتح الباء خطاب للمفرد، والمخاطب بذلك قيل: هو سيِّدنا محمد ـ صلّى الله عليه وسلم ـ والمعنى لتكونن لك حال بعد حال في دعوتِك ومكانتك فإن كذَّبتك قريش اليوم فسيصدقونك غدًا، ولئن علا سلطانُهم يومًا فسيعلو سلطانك عليهم أيامًا ( فاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ) واستمر في دعوتك حتى يأتيك اليقين، وقيل: إن المخاطب بذلك أي إنسان، والمراد بيان أنه ستتقلب به الأحوال من قوة إلى ضعف ومن غنى إلى فقر ومن صحة إلى مرض، وبالعكس، وتنتهي الحياة بالموت، فشأن الحياة هو التغير والتحول حسًّا ومعنى، وصاحب السلطان في كل ذلك هو ربّ العزّة الذي يجب أن يؤمن به كل مخلوق. وفي القراءات الأخرى” لتركبُنَّ ” بضم الباء خطاب للجميع، والمعنى لتتغيرن أحوالكم في مستقبل حياتكم كما تغيرت من قبل، حين خلقكم الله في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق، وطورًا بعد طور، وستنتهون من حياتِكم بما فيها من تفاوُت وتقلُّب إلى الموت، ومن قدر على ذلك فهو قادر على أن يبعثَكم من القبور وينشركم إليه ويُحاسبكم على ما قدّمتم، فمنكم من يعطى كتابه بيمينه، ومن يُعطى كتابه بشماله بعد ذلك يسوقُكم إلى الجنّة أو النار زمرًا، لكلِّ فيها طبقة ومنزلة تتناسب مع عمله، فما لهؤلاء القوم لا يؤمنون بعد هذه الأدلة القوية وما لهم لا يسجدون للقرآن الذي يدل بإعجازه على صدق محمد الأمي في أنه منزل من عند الله، وفي أنه صادق في دعوته ورسالته؟ ( بَلِ الذِينَ كَفَرُوا يَكْذِبونَ واللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعونَ).