السؤال:

كثر الحديث عن المفتين فهذا يفتي في مسألة غير ذلك، واحترنا في الأمر، فهل هناك ضوابط تحكم عملية الفتوى ينطلق من خلالها المفتون؟، وكيف نفك الالتباس الواقع بسبب تغيير فتاويهم؟

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

موضوع الفتوى والاجتهاد يشمل كثيرًا من الأمور التي فصلها العلماء، فلا أجد حاجةً لتناولها بشكل شامل، فأكرر ما هو معلوم عندنا جميعًا، لكني سأكتفي بعرض مسائل محددة أوضِّح فيها بعض الالتباسات، مما يساعدنا في ممارسة الفتوى، أو الاجتهاد بالقدر الذي نستطيعه، ودون خروج على الضوابط الأصولية المعروفة.

المسألة الأولى: في تعريف الاجتهاد:

الاجتهاد في اللغة هو: بذلُ الجهد للوصول إلى أمر من الأمور أو فعل من الأفعال، أما علماء الأصول فقد كثر خلافهم حول تعريفه، وأكثرهم يقول: “الاجتهاد هو بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حكم شرعي ظني”.

بهذا التعريف تخرج الأحكام الشرعية القطعية، وهي مما عُلِم من الدين بالضرورة؛ لأنه لا يجري فيها الاجتهاد أصلاً، ويحصر مجال الاجتهاد في الأحكام الشرعية الظنية، سواءٌ بنيت على دليل من القرآن الكريم قطعي الثبوت أو ظني الدلالة، أو بنيت على سند من السنة الشريفة ظني الدلالة، وقد يكون ظني الثبوت أيضًا، أو بنيت على دليل شرعي آخر كالمصالح المشروعة أو مقاصد الشريعة أو غيرها.

المسألة الثانية: الفتوى وشروطها:

الفتوى حسب اصطلاح الفقهاء هي “الإخبار بحكم الله تعالى عن الوقائع بدليل شرعي، فهي إذًا حكم الله المتعلق بواقعة معينة”.

هذا الحكم الشرعي المتعلق بإنسان معين أو ظرف محدد، قد يختلف عن الحكم الشرعي الأساس الثابت في القرآن الكريم، أو في السنة المطهرة أو باجتهاد المجتهدين، لأنَّ الواقعة الحادثة قد تتعلق بها ظروف تنقل حكم الله من النص المتعلق بها إلى نص آخر، أو من الاجتهاد إلى اجتهاد آخر، أو تضطر المفتي إلى الموازنة بين حكمين شرعيين واختيار أحدهما في حال التزاحم.

لهذا فقط اتفق العلماء أن من أهم شروط الفتوى، معرفة واقعة الاستفتاء أولاً؛ حتى يمكن معرفة الحكم الشرعي المتعلق بها، كما ذكر كثير من علماء أصول الفقه ضرورة معرفة مدى أثر الفتوى سلبًا أو إيجابًا؛ لأن معرفة المآل قد تغير الحكم الشرعي إلى حكم شرعي آخر.

نخلص من ذلك إلى أن الحكم الشرعي الأصلي هو حكم مطلق يتناول جميع الظروف بالإجمال، أما الفتوى فهي تتناول الحكم الشرعي في ظرف معين أو واقعة محددة، وقد يختلفان.

المسألة الثالثة: في شروط المجتهد:

أجمع علماء الأصول على ضرورة توفر الشروط التالية فيمن يتصدَّى للاجتهاد:

– العلم بالعربية، وهو يشمل علوم النحو والصرف والبلاغة.. بمقدار ما يتصل منها بنصوص الشرع.

– العلم بأحكام القرآن، وخاصةً الناسخ المنسوخ، وأسباب النزول واختلاف القراءات وعلم التفسير.

– العلم بالسنة، وهو يشمل علوم مصطلح الحديث والجرح والتعديل وموارد الأحاديث.

– العلم بمواضع الإجماع والخلاف.

– العلم بأصول الفقه، وخاصةً أوجه القياس وطرائقه فهي أهم طرائق الاجتهاد، وقد اعتبر “الشافعي” أن الاجتهاد هو العلم بأوجه القياس وطرائقه، وهذا ما توافق عليه أكثر علماء الأصول القدماء والمعاصرين، لكن الإمام “الشاطبي” وضع لتحصيل درجة الاجتهاد شرطَين اثنين:

الأول: فهم مقاصد الشريعة على كمالها، وأنها مبنيةٌ على اعتبار المصالح، وأن المصالح في نظر الشرع ثلاث مراتب: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات.

الثاني: تمكن الاستنباط من الشريعة بناءً على فهمه فيها، والاستنباط لا يكون إلا بواسطة معارف محتاج لا في فهم الشريعة، هذه المعارف قد يكون المجتهد عالمًا بها إلى حد الاجتهاد فيها، وقد يكون حافظًا لها غير بالغ رتبة الاجتهاد فيها، وقد يكون غيرَ حافظ ولا عارف، لكنَّه يعلم متى يحتاج إليها ويلجأ إلى أهل المعرفة بها ولا يقضي إلا بمشورتهم.

المسألة الرابعة: التعبد والتعليل:

هل الأصل في الأحكام الشرعية التعبُّد أو التعليل؟

من المعروف أن الله تعالى هو الخالق، وهو الذي يستحق العبادة، وأن علينا طاعته في جميع أوامره ونواهيه قيامًا بواجب العبودية، وبالتالي فإن المسلم ينفذ الأحكام الشرعية تعبُّدًا لله، سواءٌ علم حكمتها أم لم يعلم، لكن العلماء تتبعوا نصوص الأحكام الشرعية في القرآن الكريم والسنة المطهرة فوجدوا أكثرها يشير إلى الغاية التي أرادها الله تعالى من تشريعها، أو إلى الحكمة أو المصلحة التي تؤدي إليها، كما وجدوا أن هذه الغاية أو الحكمة أو المصلحة تكون أحيانًا هي (العلة) بالمعنى الأصولي لهذا الحكم؛ ولذلك اختلفوا.. هل الأصل في الأحكام التعبد أم التعليل؟ بمعنى هل الله- تعالى- يشرع لنا الأحكام لمجرد التعبد، أو أنه مع التعبد فهو يشرعها لحكمة أو مصلحة أو علة؟ وفي هذه الحالة ما هي العلاقة بين الحكم وعلته؟

1- يمكننا أن نقول: إن الفقهاء اتفقوا- بما يشبه الإجماع- على أن العلة إذا وردت في النص في معمول بها، بمعنى أن المسلم عند تطبيق الحكم الشرعي يسعى إلى تحقيق علته.. هذا القول هو مقتضى رأي الظاهرية أيضًا.

2- وذهب جمهور الفقهاء إلى أن العلة إذا كانت مذكورة في النص يمكن تعديتها إلى حالات أخرى، أما إذا كانت مستنبطة بالاجتهاد، فقد اختلفوا في حصرها بالحالة المنصوص عليها، أو تعديتها إلى حالات مماثلة.

3- الأصل في العبادات عدم التعليل.. ثم لاحظ الفقهاء أن التعليل يكثر في باب العادات والمعاملات ويقل في باب العبادات.

4- تعليل الأحكام يعني قابليتها للتغيير:إذا كان الحكم الشرعي لا تعرف علته فيجب على المسلم الالتزام به تعبدًا لله تعالى، ومثل هذه الأحكام لا تكون موضعًا للقياس ولا للتغيير.

أما إذا كان معللاً فهو عند ذلك معقول المعنى ومفهوم، ويجري فيه القياس (الذي يأخذ به جمهور الفقهاء والمذاهب إلا الظاهرية)، كما يجري فيه تغيير، وذلك محصور فيما إذا كانت العلة قابلة للتغيير.

والعلة قد تكون ثابتة، كما لو قلنا: إن الإسكار علة تحريم الخمر، أو إن الغرر هو علة تحريم القمار، ففي مثل هذه الحالات لا يمكن أن يتغير الحكم، أما لو كانت العلة قابلة للتغيير بسبب ارتباطها بالأعراف أو المصالح أو العلوم، وتغيرت فعلاً، فإن الحكم الشرعي يتغير تبعًا لها؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، ومن أمثلة ذلك:

أ- قول النبي- صلى الله عليه وسلم “-:الأئمة من قريش”، ويظهر أن “عمر بن الخطاب” لم يكن يشترط النسب القرشي في الإمامة الكبرى، فقد قال: لو كان “سالم مولى أبي حذيفة” حيًا لاستخلفه، وذهب الخوارج وبعض الأشاعرة كـ”أبي بكر الباقلاني” إلى عدم اشتراطه، لكن الجمهور يشترطون هذا الشرط.

ب- قول النبي- صلى الله عليه وسلم-: “لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم”، فقد علله الكثيرون بالخوف على المرأة إذا سافرت وحدها، في عصر كان السفر فيه محاطًا بمخاوف ومشكلات كثيرة، فلما تغير الظرف وزالت العلة أجازوا للمرأة أن تحجَّ بلا محرم إذا كانت مع نسوة ثقات أو رفقةٍ مأمونة، وهو قول المالكية والشافعية، والرفقة المأمونة عند المالكية رجال صالحون أو نساء صالحات، وأولى إن اجتمعا.

وهذا لا ينحصر في الحج، بل يشمل كل سفر واجب، على أن “الباجي”- من المالكية- أباح للمرأة سفر التطوع والمباح بدون محرم أو زوج في القوافل العظيمة، فهي كالبلاد.

ج- صلى النبي- صلى الله عليه وسلم- التراويح بالنساء جماعةً، ثم تركها، وقال “:لم يمنعني من الخروج إليكم إلا خشية أن تفرض عليكم” فلما توفاه الله زالت هذه الخشية، فأقام “عمر” التراويح جماعة، وقال: “نعمت البدعة هذه”، وصلاها المسلمون جماعةً منذ هذا اليوم.

د- أوقف عمر بن الخطاب إعطاءَ المؤلفة قلوبهم نصيبًا من الزكاة؛ بسبب تغير ظروف المسلمين، وزوال العلة في إعطائهم، ورأى “عمر بن عبد العزيز” أن العلة في إعطائهم موجودة في زمانه فأعطاهم من الزكاة، واعتبر الفقهاء فعل “عمر بن عبد الخطاب” إعمالاً للنص وليس مخالفةً له، ومن الواضح أن فعل “عمر” هنا هو إيقاف لتطبيق النص؛ بسبب زوال علته، وبهذا أخذ جمهور الفقهاء، لكن الحنفية اعتبروا فعل “عمر” مع إجماع الصحابة دليلاً على نسخ هذا الحكم أصلاً.

هـ- واجب الشرع الدية في حالة القتل الخطأ على العاقلة، وكذلك العاقلة في عهد النبي- صلى الله عليه وسلم- قبيلة الجاني، فقد ثبت في صحيح مسلم أنه قضى بدية المرأة الهذيلية على عاقلتها، وثبت فيه أيضًا أنه قضى بالدية على العصبة، لكن “عمر بن الخطاب” جعلها على أهل الديوان، لأن النصرة انتقلت إليهم بعد أن تم تنظيم الديوان، وضبطت فيه أسماء الجنود وعددهم وأعطياتهم، ولم ينكر الصحابة فعل “عمر”، وقد أخذ به الحنفية بعد ذلك، وخالفهم الجمهور فاعتبروا العاقلة هم العصبة وهم قرابة القاتل من جهة الأب، ولم يعتبروا تغيير العلة.

و- وقال النبي- صلى الله عليه وسلم-“من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وفي بيته منه شيء”، فلما كان العام المقبل قالوا يا رسول الله، نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ قال: “كلوا وأطعموا وادخروا” وعلل أمره الأول أن الناس كانوا في شدة فأردت أن تعينوا فيها، وفي رواية أخرى “إنما نهيتكم من أجل الدافة”، يعني القوم الذين وفدوا على المدينة.

وقد ذكر “الشافعي” أن النبي- صلى الله عليه وسلم- ربط النهي عن الادخار بالدافة، وقال “القرطبي”: “هو حكم ارتفعت علته”، أي أنه تغيَّر بسبب ارتفاع العلة، وفرق بين رفع الحكم بالنسخ، ورفعه لارتفاع علَّته، فالمرفوع بالنسخ لا يُحكم به أبدًا، أما المرفوع لارتفاع علته فيعود بعودة علته.