السؤال:

: يقول الله تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (سورة القصص:56) ذكرت الهداية ثلاث مرات في هذه الآيات، فهل معناها واحد أم مختلف؟

الجواب:

جاء في القاموس: يُقال: هداه هُدًى وهدْيًا وهِدَاية وهِدِيَة ـ بكسرهما ـ أرشده فتَهدَّى واهتدَى. وهداه الله الطريق دلَّه، والهُدىـ بضم الهاء وفتح الدال ـ الرشاد.
قال ابن القيم في كتابه: “بدائع الفوائد” الهِدَاية أربعة أنواع: أحدها: الهِداية العامة المشتركة بين الخلق، المذكورة في قوله تعالى: (الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (سورة طه:50) أي أعطى كل شيء صورته التي لا يَشْتبه فيها بغيره، وأعْطى كلَّ عُضو شكله وهيئته، وأعطى كلَّ موجود خلْقه المختصَّ به، ثم هداه ما خلقه له من الأعمال، قال: وللجَمَاد أيضًا هداية تَلِيق به، كما أنَّ لكلِّ نوع من الحيوان هدايةً تليق به، وإن اختلفت أنواعها وصُوَرُها، وكذلك لكل عضو هداية تَليق به، فهدى الرجْلين للمشْي، واللسان للكلام، والعين لكشف المرئيات، وهَلُمَّ جرًّا، وكذا هدى الزَّوجين من كلِّ حيوان إلى الازدواج والتناسُل وتربية الولد، والولد إلى الْتِقَام الثَّدْي عند وضْعه، ومراتب هدايته سبحانه لا يُحصيها إلا هو. والثاني: هداية البيان والدلالة والتعريف لِنَجْدَيِ الخَيْر والشر وطريقَيِ النجاة والهلاك، وهذه الهداية لا تستلزم الهُدَى التام، فإنها سبب وشرط لا موجب، ولهذا يَنتفي الهُدى معها، كقوله تعالى: (وَأَمَّا ثَمَودُ فَهَدْيَنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) (سورة فصلت:17) أي بَيَّنَّا لهم وأرشدْناهم ودَلَلْنَاهُم فلم يهْتدوا، ومنها قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم) (سورة الشورى:52).
الثالث: هداية التوفيق والإلهام، وهي الهداية المستلزِمة للاهتداء، فلا تتخلَّف عنها، وهي المذكورة في قوله تعالى: ( يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (سورة المدثر:31)، وفي قوله تعالى: (إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ) (سورة النحل:37)، وفي قوله ـ صلى الله عليْهِ وسلم ـ : “مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فلا مُضِلَّ له ومَنْ يُضْلل فلا هادي له “، وفي قوله تعالى: ( إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (سورة القصص:56) نفى عنه هذه الهداية وأثبت له هداية الدعوة والبيان في قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم) (سورة الشورى:52).
الرابع: غَايةُ هذه الهِدَاية، وهِيَ الهِدَاية إلى الجنة أو النار إذا سيق أهلُهما إليهما، قال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِم تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) (سورة يونس:9)، وقال أهل الجنة فيها: (الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هدَاَنَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَديَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ) (سورة الأعراف:43)، وقال في حق أهل النار: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ) (سورة الصافات: 22-23) انتهى ما قاله ابن القيم. والبَيْضاوي ذَكَر أنَّ الهِدَاية دلالةٌ بِلُطْف، ولذلك تُسْتَعمل في الخَيْر، وقوله (فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ) على التَّهَكُّم. ثم قال: وهداية الله تتنوَّع أنواعًا لا يُحصيها عدٌّ، لكنَّها تنْحَصر في أجناس مترتِّبة.
الأول: إفاضة القُوَى التي بها يتمكَّن المُؤمِن من الاهتداء إلى مصالحه، كالقوَّة العقلية والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة.
والثاني: نصْب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد، وإليه أشار حيث قال: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) (سورة البلد:10)، وقال: (فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى).
والثالث: الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وإياها عَنَى بقوله: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) (سورة الأنبياء:73)، وقوله: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (سورة الإسراء:9).
والرابع: أنْ يَكْشف على قلوبِهم السرائر ويُريهم الأشياء كما هي بالوحْي أو الإلهام والمنامات الصادقة، وهذا قسم يختص بنَيْله الأنبياء والأولياء، وإياه عنى بقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (سورة الأنعام: 90)، وقوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِينَّهُمْ سُبُلَنَا) (سورة العنكبوت:69).