السؤال:

ظهرا مؤخرا وبشكل كبير عالم "السكند لايف" (secondlife)  أو الحياة الثانية وهو عالم تخيلي على الإنترنت ويعيش فيه حاليا ما لا يقل عن 8 مليون شخص من مختلف الأجناس، وانتشرت فيه الدعوة إلى الإسلام من خلال المسلمين المقيمين في هذا العالم، حتى إن بعضهم تعرض للاعتداء والإيذاء داخل هذا العالم سواء عن طريق السب المباشر أو الإيذاء التخيليمن خلال الوسائل المتاحة على هذا العالم. وسؤالي ما هي النظرة الشرعية لهذا العالم وللدعوة والجهاد على هذا العالم، وهل من واجبي كمسلم أن أجتهد في هذا العالم طالما أتيحت لي الوسيلة؟ وماذا لو أثر ذلك على الجهاد والدعوة في العالم الحقيقي؟ وجزاكم الله خيرا

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

لا شك أن حياة المسلم كلها طاعة لله تعالى وعبادة له يقول الله تعالى:” وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” “سورة الذاريات” والعبادة لا تقتصر على الصلاة والصوم فقط، ولكنها أيضا تشمل كل جوانب الحياة ومنها الدعوة لله تعالى، ولبيان حكم الدعوة والجهاد في هذا العالم الافتراضي يحسن بنا أن نعرف به أولا وبطبيعته ثم نبين الأحكام الشرعية المتعلقة به.

التعريف بالحياة الثانية أو الافتراضية:

هي ما يطلق عليها الحياة الافتراضية أو (secondlife ) وهو عالم افتراضي خيالي موجود على شبكة الإنترنت محرر من كل قيد إلا قيدا تضعه جزيرة من الجزر الموجودة بداخله.

وهو عالم محرر يصل فيه الإنسان لأي مكان بوسائل متعددة وفي وقت وجيز، ويفعل فيه ما يشاء ويقول فيه ما يشاء دون قيد قانوني أو حتى ضابط أخلاقي .

وليس معنى هذا أن كل الموجودين فيه تنعدم أخلاقهم فالمقصد مما ذكرت أن الفرد يفعل ما يراه سواء كان صوابا أو خطأ دون من يحاسبه .

وعدد الموجودين فيه كثيرون يقدرون الآن بثمانية ملايين وكل يوم يزداد العدد، وفيه كثير من الأنشطة الربحية والثقافية ، وتعرض فيه المؤسسات أخبارها، لأن العدد فيه غير قليل.

التكييف الفقهي لهذا العالم:

هذا العالم بهذه الكيفية يحتوي على مجموعة من الأفراد والمؤسسات كل منها يروج لفكرته، وما دام الكل يعرض فليس هناك ما يمنع شرعا من الدخول لهذا المجال -ولو كان افتراضيا شكلا فهو في الواقع انعكاس لأفراد حقيقيين في خارجه- للأسباب التالية:

1-     ليس هناك حظر شرعي للدخول فيه.

2-     يوجد فيه كثير من المسلمين ودعوتهم وتذكيرهم بالله من الأمور المشروعة.

3-     دعوة غير المسلمين وتعريفهم بالإسلام النقي الصافي في زمن اشتدت الهجمة عليه.

4-     بيان الأحكام الشرعية للسائلين.

من الذي يدعو:

الذي يقوم بالدعوة في هذا العالم أو المجتهد فيه هو من استكمل العلم الشرعي لأنه سيتكلم باسم الإسلام، وبالتالي لا بد أن يكون متحليا بما يلي:

أولا : إخلاص النية لله تعالى فهي أساس القبول للعمل لقوله صلى الله عليه وسلم :”إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى” متفق عليه

ثانيا: العلم وأقصد به:

1- العلم الشرعي :

فلا يفتي بدون علم وإلا ضل وأضل كثيرين سيتلقفون فتواه بدون علم ويذهبون بها مشنعين على الإسلام بفتاوى غير المتخصصين فيكون قد أضر كثيرا وهو لا يدري ، يقول الله تعالى :”وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا” [الإسراء: 36].

2- العلم باللغة التي يتحاور مع الآخرين بها :

فالأصل في ذلك عند أبي داود من حديث عائشة “أنزلوا الناس منازلهم”، ومن منازلهم أن نعرف قدرهم فنخاطبهم على أساسه، ومن منازلهم أن نعرف لغتهم فنخاطبهم بها ذلك أجدى للفهم ، وأقرب للتوصيل ولا أدل على ذلك من حديث روي في كنز العمال وإن كان ضعيفا :” نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم” لكن لا يمنع ضعفه من الاستشهاد به على رأي من قال يعمل بالضعيف في غير العقائد والعبادات.

3- العلم بموضوع الكلام فلا يصح أن يدخل في موضوع لم تكتمل عدته فيه خاصة أنه يجاهد في عالم حر مفتوح لا قيود فيه ولا ضوابط، فيجب أن يكون ملما بموضوع الكلام، يملك حجته وإلا فالسكون أجدى، وترك المكان إن كان فيه خوض أولى.

ثالثا: أن يتحلى بالفضائل ومكارم الأخلاق فهي أساس كل خير وبداية كل صلاح وإصلاح.

رابعا: التمكن في علم الحوار ومجادلة الآخرين:

أو العلم بفنون العلم وآلياته وأقصد بفنون العلم أي علم الحوار الجدل وكيفيات المناورة فيه والجدال بالحسنى وكذلك بالحكمة والموعظة الحسنة يقول الله تعالى :” وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ {46}” سورة العنكبوت ويقول تعالى :” ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ {125}” سورة النحل. وليحذر الجدال بغير علم لقوله –صلى الله عليه وسلم-:” جادل في خصومة بغير علم لم يزل في سخط الله حتى ينزع” صححه السيوطي.

وأقصد بآليات الفن هو كيفية التجول في المكان والعلم بالكمبيوتر وبالأماكن المتاح الدخول فيها والأماكن الأولى الخروج منها.

خامسا: عدم الخوض فيما لا ينفع والتركيز على أساسيات الموضوع وتحرير موضوع النزاع وينتقي  كلماته الدالة .

حكم الجهاد والدعوة إلى الله:

أولا: حكم الجهاد في الحياة الافتراضية:

بالرغم من أنه عالم افتراضي ولكن ما يحرك الدمى فيه أفراد حقيقيون، ومن حق المعتدى عليه افتراضيا أن يدافع عن نفسه بمثل ما فعل لقوله تعالى:” فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ {194}” سورة البقرة، كذلك من حق أصحاب المنشآت فيه أن يحافظوا على منشآتهم، خاصة التي تدعو الناس للخير، وتمنع المغرضين من هدمها.

كما أن من حق الشركة المنظمة أن تمنع المعتدين وتوقع عليهم عقوبة وذلك لإرساء النظام، وحفظ الحقوق والحريات.

ثانيا: حكم الدعوة إلى الله:

بما أنه عالم افتراضي ولكن مردوده إلى أناس في الخارج فتضبطه أحكام الدعوة إلى الله تعالى مع المسلم  وغير المسلم ويمكن الرجوع لها في نطاق الدعوة بالموقع حيث وفرة مادته وتخصصه في هذا الشأن، وأنوه هنا فقط إلى أن ضابطها مع غير المسلم قوله تعالى: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ الناسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ” سورة هود : 118-119. وقوله تعالى :”وقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ ومَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” سورة الكهف، ويقول تعالى:”لا إكراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ” سورة البقرة. وقوله تعالى :” قُلْ يا أهل الكتاب تَعالَوْا إلى كلمةٍ سَواءٍ بيْننا وبيْنَكُمْ ألا نَعْبُدَ إلّا اللهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ فإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهدُوا بأنَّا مُسْلِمُونَ” آل عمران. وقوله تعالى:” لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الذينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أنْ تبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ . إنَّمَا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنْ الذينَ قاتَلُوكُمْ في الدِّينِ وأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وظاهَرُوا عَلَى إخْراجِكُمْ أنْ تَوَلَّوْهُمْ ومَنْ يَتَوَلَّهُمْ فأُولئكَ هُمُ الظالِمُونَ” سورة الممتحنة. وكذلك ما ورد عن النبي –صلى الله عليه وسلم – من سماحة في معاملتهم.

وأما دعوة المسلم فتضبطها قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويمكن الرجوع لها في أكثر من مكان.

الاجتهاد فيه:

الاجتهاد العام كما فهمته من سؤالك هو في إطار الدعوة وهذا مكفول بضوابطه ، أما إن كنت تقصد الاجتهاد الشرعي فهذا لا يكون إلا ممن ملك وسائله فإن اجتهد بعدها وأخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران لقوله –صلى الله عليه وسلم-:” إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد ” رواه البخاري.

والله أعلم.