السؤال:

ما حكم الاعتماد على الحسابات الفلكية في تحديد رؤية شهر رمضان المبارك؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:

يرجح فضيلة المفتي الحالي الدكتور على جمعة، الأخذ بالحسابات الفلكية عندما تتعارض معها الرؤية البصرية، فيقول فضيلته :

الإسلام لا يصادم العلم ولا يقف حجر عثرة في طريقه، بل الإسلام حث على التعلم وإعمال الفكر والنظر في الكون واستخلاص النظريات الكونية التي تفيد الإنسان ، حيث يقول الله تبارك وتعالى : (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ ) يونس : 101، ويقول سبحانه : ( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ) العنكبوت : 20 .

وعلم الفلك من العلوم التي دعا القرآن الكريم إلى معرفتها وتعلمها لدراسة الظواهر الكونية ومعرفة أسرارها ، ومن ذلك قوله تعالى : (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً ) الإسراء : 12، وقوله سبحانه : ( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) يس: 38 ـ 40.

ولقد عرف المسلمون علم الفلك وتمكنوا من جميع معادلاته ووظفوه لخدمة دينهم ، فقاموا بحساب الفجر والشروق والظهر والعصر والمغرب والعشاء ، وأصبح المؤذن يؤذن بعد أن ينظر في ورقة التقويم المكتوب فيها مواقيت الصلاة طبقا للحسابات الفلكية ، وترك المسلمون الاسترشاد بوضع عود في الأرض والنظر إلى ظله، وقد يحتاج الإنسان وضع العود والنظر إلى ظله في حالة فقده للساعة، أو لعدم علمه بمواقيت الصلاة ، فالشرع جاء بالميسور والمتاح لكل الخلق، لأنه دين عالمي ودين رب العالمين، ولا يعني هذا أن تحديد مواقيت الصلاة والصوم بالحسابات الفلكية مخالف للمنهج النبوي .

والغريب أننا لا نجد خلافا في قضية الصلاة ، وإنما يشتد الخلاف في قضية الصوم رغم أن الصلاة أهم من الصوم.

أما ما يخص صوم رمضان ، فالرؤية البصرية للهلال هي الأصل في إثبات أوائل الشهور العربية فقط، بما فيها رمضان، لقوله تعالى : (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) البقرة : 185، وقوله ـ صلى الله عليه وسلم : ” صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ” (أخرجه أحمد في مسنده والبخاري ومسلم في صحيحيهما).

 

ولا شك أن الهلال ظاهرة كونية ثابتة لا خلاف حول إمكان رؤيتها بالعين المجردة إذا تحققت شروط الرؤية البصرية ، فضلا عن إمكان تحقق الرؤية بالوسائل العلمية المؤكدة التي تم الإجماع عليها وأصبحت الآن معلومة عند أهل الاختصاص، وقد عرفها المسلمون وغيرهم، لأن ميلاد الهلال حقيقة علمية يقينية بالإجماع عند علماء الفلك والحساب، وليست ظنية.

وقد سئل الشيخ السبكي ـ الشافعي ـ عمن شهد برؤية الهلال منفردا بشهادته واقتضى الحساب تكذيبه، فأجاب بكلام طويل ، الشاهد منه قوله : { ههنا صورة أخرى، وهو أن يدل الحساب على عدم إمكان الرؤية ، ويدرك ذلك بمقدمات قطعية، ويكون في غاية القرب من الشمس ، ففي هذه الحالة لا يمكن فرض رؤيتنا له حسا، لأنه يستحيل ، فلو أخبرنا به مخبر واحد أو أكثر ممن يحتمل خبره الكذب أو الغلط؛ فالذي يتجه ـ يترجح ـ عدم قبول هذا الخبر وحمله على الكذب أو الغلط، ولو شهد به شاهدان لم تقبل شهادتهما ، لأن الحساب قطعي ، والشهادة والخبر ظنيان، والظن لا يعارض القطع ، فضلا عن أن يقدم عليه، والبينة شرطها أن يكون ما شهدت به ممكنا حسا وعقلا وشرعا، فإذا فرض دلالة الحساب قطعا على عدم الإمكان ؛ استحال القبول شرعا ؛ لاستحالة المشهود به ، والشرع لا يأتي بالمستحيلات } فتاوى السبكي، لتقي الدين السبكي .

لذا نرى أن الأولى الأخذ بالحسابات الفلكية، حيث إنها أصبحت خاضعة لعلوم تجريبية قطعية ؛ مما يجعل الأخذ بها يفيد القطع، أما رؤية الشهود البصرية فهي مظنونة ، لاحتمال وجود عوائق تحول دون رؤية الهلال بالرؤية البصرية ، مما يقدم الأخذ بالحسابات الفلكية عند التعارض.

والله أعلم .

فتوى ذات صلة :

هل رؤية الهلال ملزمة لكل البلاد الإسلامية ؟