السؤال:

ماتت امرأة وتركت أطفالاً صغاراً وعهدت بهم لأمها، وتزوج زوجها بعدها ويطالب بحضانة أولاده وجدتهم لأمهم تصر على حضانتهم فمن الأحق بحضانة الأطفال في هذه الحالة، أفيدونا ؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

ذهب جمهور أهل العلم إلى أن جنس النساء أحق بالحضانة من جنس الرجال؛ لأنهن أشفق وأهدى إلى التربية وأصبر على القيام بها وأشد ملازمة للأطفال، فباتفاق المذاهب الأربعة الأم أحق بالحضانة من الأب ما لم تتزوج فإذا تزوجت انتقلت الحضانة لمن يليها من النساء.

هذا خلاصة ما جاء في فتوى فضيلة الدكتور حسام عفانه –أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين- وإليك نص فتواه:

الحضانة عند الفقهاء هي القيام على شؤون الولد وحفظه وتربيته والاعتناء به في جميع مصالحه. والحضانة واجبة شرعاً.

قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[كفالة الطفل وحضانته واجبة لأنه يهلك بتركه فيجب حفظه عن الهلاك كما يجب الإنفاق عليه وإنجاؤه من المهالك] المغني 8/237.

ومما يدل على مشروعية الحضانة ما ورد في الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ( أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وثديي له سقاء وحجري له حواء وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت أحق به ما لم تنكحي) رواه أبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وقال الشيخ العلامة الألباني حديث حسن كما في صحيح سنن أبي داود 2/430 وانظر أيضاً إرواء الغليل 7/244. وغير ذلك من النصوص.

وقد اتفق جماهير أهل العلم على أن جنس النساء أحق بالحضانة من جنس الرجال.

قال الإمام النووي: [الحضانة هي القيام بحفظ من لا يميز ولا يستقل بأمره وتربيته بما يصلحه ووقايته عما يؤذيه، وهي نوع من ولاية وسلطنة لكنها بالإناث أليق؛ لأنهن أشفق وأهدى إلى التربية وأصبر على القيام بها وأشد ملازمة للأطفال.] روضة الطالبين 6/504.

ومما يدل على أن النساء أولى بالحضانة من الرجال ما ورد في الحديث عن ابن جريج أخبرني زياد عن هلال بن أسامة أن أبا ميمونة سليم مولى من أهل المدينة رجل صدق قال: بينما أنا جالس مع أبي هريرة جاءته امرأة فارسية معها ابن لها فادعياه وقد طلقها زوجها، فقالت يا أبا هريرة ورطنت له بالفارسية زوجي يريد أن يذهب بابني فقال أبو هريرة استهما عليه ورطن لها بذلك فجاء زوجها فقال من يحاقني في ولدي، فقال أبو هريرة: اللهم إني لا أقول هذا إلا أني سمعت امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنا قاعد عنده، فقالت: يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة وقد نفعني، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم استهما عليه فقال زوجها من يحاقني في ولدي، فقال النبي صلى الله عليه و سلم: هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت فأخذ بيد أمه فانطلقت به) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وصححه الترمذي وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود 2/431.

وقال العلامة ابن القيم:بعد أن ذكر الحديث الذي سقته أولاً، وفيه قول الرسول الله صلى الله عليه وسلم للمرأة: (أنت أحق به ما لم تنكحي) [ودل الحديث على أنه إذا افترق الأبوان وبينهما ولد فالأم أحق به من الأب ما لم يقم بالأم ما يمنع تقديمها أو بالولد وصف يقتضي تخييره، وهذا ما لا يعرف فيه نزاع، وقد قضى به خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر على عمر بن الخطاب ولم ينكر عليه منكر. فلما ولي عمر قضى بمثله فروى مالك في الموطأ: عن يحيى بن سعيد أنه قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: كانت عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأة من الأنصار فولدت له عاصم بن عمر ثم إن عمر فارقها، فجاء عمر قباء فوجد ابنه عاصماً يلعب بفناء المسجد فأخذ بعضده فوضعه بين يديه على الدابة فأدركته جدة الغلام فنازعته إياه حتى أتيا أبا بكر الصديق رضي الله عنه فقال عمر: ابني. وقالت المرأة ابني فقال أبو بكر رضي الله عنه خل بينها وبينه فما راجعه عمر الكلام،

قال ابن عبد البر: هذا خبر مشهور من وجوه منقطعة ومتصلة تلقاه أهل العلم بالقبول والعمل، وزوجة عمر أم ابنه عاصم هي جميلة ابنة عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري.

قال وفيه دليل على أن عمر كان مذهبه في ذلك خلاف أبي بكر، ولكنه سلم للقضاء ممن له الحكم والإمضاء، ثم كان بعد في خلافته يقضي به ويفتي ولم يخالف أبا بكر في شيء منه ما دام الصبي صغيراً لا يميز ولا مخالف لهما من الصحابة.

وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج أنه أخبره عن عطاء الخراساني عن ابن عباس قال: طلق عمر بن الخطاب امرأته الأنصارية أم ابنه عاصم فلقيها تحمله بمحسر وقد فطم ومشى فأخذ بيده لينتزعه منها ونازعها إياه حتى أوجع الغلام وبكى، وقال أنا أحق بابني منك فاختصما إلى أبي بكر، فقضى لها به، وقال: ريحها وفراشها وحجرها خير له منك حتى يشب ويختار لنفسه ومحسر: سوق بين قباء والمدينة.

وذكر عن الثوري عن عاصم عن عكرمة قال خاصمت امرأة عمرٍ عمرَ إلى أبي بكر رضي الله عنه، وكان طلقها، فقال أبو بكر رضي الله عنه: الأم أعطف وألطف وأرحم وأحنى وأرأف هي أحق بولدها ما لم تتزوج.

وذكر عن معمر قال سمعت الزهري يقول إن أبا بكر قضى على عمر في ابنه مع أمه وقال أمه أحق به ما لم تتزوج ] زاد المعاد 5/435-437.

إذا تقرر هذا فإن أم الأم أحق بالحضانة من الأب باتفاق المذاهب الأربعة، وهو ما قرره قانون الأحوال الشخصية المعمول به في المحاكم الشرعية في بلادنا، فقد ورد في الفصل السادس عشر منه ما يلي:

[ الحضانة، صاحب الحق في الحضانة من النساء، المادة 154: الأم النسبية أحق بحضانة ولدها وتربيته حال قيام الزوجية، وبعد الفرقة، ثم بعد الأم يعود الحق لمن تلي الأم من النساء حسب الترتيب المنصوص عليه في مذهب الإمام أبي حنيفة.]

والترتيب المنصوص عليه في مذهب الإمام أبي حنيفة هو تقديم الأم أولاً، ثم أم الأم، ثم أم الأب، ثم الأخوات، وتقدم الأخت من الأب والأم، ثم الأخت من الأم، ثم الأخت من الأب، ثم الخالات، ثم العمات، فإن لم يكن للصبي امرأة من أهله تستحق الحضانة، واختصم فيه الرجال فأولاهم به أقربهم تعصيباً. فيقدم الأب ثم الجد ثم الأخ،انظر تفصيل ذلك في حاشية ابن عابدين 3/555 فما بعدها.

ومما ينبغي ذكره أن حضانة أم الأم لأولاد ابنتها المتوفاة تستمر إلى أن يبلغ الصغير تسع سنوات وتبلغ الصغيرة الحادية عشرة من عمرها كما ورد في قانون الأحوال الشخصية المعمول به في المحاكم الشرعية في بلادنا في المادة 161: [ تنتهي حضانة غير الأم من النساء للصغير إذا أتم التاسعة وللصغيرة إذا أتمت الحادية عشرة.].

وخلاصة الأمر أن أم الأم أحق بحضانة أولاد ابنتها المتوفاة من أبيهم وهذا هو المعمول به في المحاكم الشرعية في بلادنا.

والله أعلم.

 


الوسوم: , , ,