السؤال:

التأمين على الماشية معمول به في الريف، ويقضي بأن يدفع صاحب الماشية مبلغًا تقدِّره لجنة رسمية. وإذا حدث أنْ نفَق الحيوان يستدعي صاحبُه الطبيب البيطري ليتأكَّد من موته ثم يُصرَف له ثمن الحيوان كاملاً أو ناقصًا، حسَب تقدير الطبيب فهل هذه حلال؟

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: عقد التأمين على الماشية هو من باب التأمين التعاوني وهذا جائز إذ يتحمل فيه الناس عن المصاب بعض آلامه ويخففون عنه مصابه، وإن قامت بالتنسيق شركة وفق هذا الأمر فهو جائز.

وفي ذلك يقول الأستاذ الدكتور محمد البهي عميد كلية أصول الدين الأسبق –رحمه الله:

يُقال في شأن التأمين عامَّةً سواء أكان تأمين على ماشية، أو على حياة الإنسان، أو على مصنع أو سلع تجارِيّة، أو على مَبانٍ.. أو على غير ذلك.. أنه ينطوي على “غرَر” أي على تقديرات خاطئة من شأنِها أن تلحق أضرارًا بأحد طرفي عقد التأمين أو بكليهما. وإذا انطوى أي عقد بين طرفين على ضرَر واضح مُتَرَقَّب لأحدهما ـ فضلاً عن كليهما ـ فإنَّ العقد يكون باطلاً وحرامًا.

ولكن: هل ينطوي عقد التأمين على غرَر وتقدير خاطئ؟

إن عقد التأمين في واقع أمره هو بين المؤمنين بعضهم مع بعض عن طريق شركة التأمين. فالطرفان في العقد هو المؤمِّن وبقية المؤمِّنين. والشركة هي مفوَّضة ووكيلة عن الطرَفين في تنفيذ التزامات العقد.

وهنا في التأمين على الماشية: الطَّرفان في عقد التأمين هو المؤمِّن على ماشيته من ناحية والمؤمِّنون الآخرون عداه على مواشيهم من ناحية ثانية. والهيئة أو المصلحة التي تباشِر التأمين على مواشي المؤمِّنين جميعًا هي في واقع الأمر مفوَّضة عنهم في تنفيذ عقد التأمين من تحصيل الأقساط، وتقدير قيمه المبالغ التي يطلب التأمين بها، وتقدير التعويضات المستحَقّة عندما تنفق الماشية.. وغير ذلك من التشخيص البيطري وتقدير علف الماشية، بالإضافة إلى استثمار الأموال المُتَحَصَّلة.

والهيئة أو المصلحة التي تباشِر تنفيذ عقد التأمين لها جُعْل خاصٌّ من أرباح الأموال المُستَثْمَرَة، وهي الأقساط التي تجمع من المؤمنين نظير ما تقوم به من إشراف وأداء خدمات.

وبقية أرباح هذه الأموال تغطي منها التعويضات للمؤمِّنين التي يقدِّرها البيطريّون عندما تنفُق الماشية.

وبتوقيع المؤمِّن على عقد التأمين يوقع في حقيقة الأمر على شيئين:

أولاً: على تفويض المصلحة أو الهيئة أو الشركة التي تباشر التنفيذ، في نظير جزء من الأرباح.

ثانيًا: على الموافَقة على تسديد التعويضات التي تُعطَى وتصرَف للمؤمنين، وهى لا تتجاوز بحال المبلغ المقدَّر في العقد، من حصيلة أرباح الأموال التي يؤمن بها، والتي التزم المؤمِّنون جميعًا بدفعها على أقساط شهرية أو سنويّة أو موسِميّة.

ولا يضارّ أحد من المؤمنين إطلاقًا فيما يتسلَّمه من تأمين لأنّه يتسلَّم بنسبة معيّنة من المبلغ الذي يلتزم بدفعه. والهيئة أو المصلحة أو الشركة ـ وكذا المؤمنون ـ لا يتدخّلون في أعمار المواشي عندما ينتهي أجلُها. فهم قد اتفقوا فحسْب على مبدأ عام في صيغة عامّة: عندما ينفُق الحيوان يُعطَى صاحبُه تعويضًا، ولكنَّهم لم يتعرَّضوا بحال إلى الوقت، ومتى؟

على نحو ما يقضي به العُرف في الأفراد من رَدِّ “النقوط” بحلول الفرح الجديد للجار أو القريب.

فعقد التأمين على الماشية ينتفي عنه الغرَر والتقدير الجُزافي إذ فيه جِعالة للمصلحة أو الهيئة أو الشركة، وفيه تعاون بين المُؤَمِّنين عن طريق العقد نفسه وهو تعاون على تحمُّل المصائب والكوارث، كالتعاون في المآتم في الريف. فمما يشارك به الأقارب أو الجيران بما يقدَّم من طعام في أيام الوفاة هو بمثابة القِسط الذي يدفع، على أن يسترَدَّ عند المناسبة المعينة.

والتأمين في أيّة صورة من صورة هو ضرب من التعاون المُثمِر البنَّاء. وليس له صلة إطلاقًا بتحديد المستقبل لما يؤمَّن عليه. فهو لا يتدخّل في علم الله بتحديد الآجال أو بإنزال الكوارث. وكل ما ينطوي عليه أنه مشاركة لها أثرها في إسعاف كل من تَحُلُّ به كارثة أو مصيبة، إنْ في نفسه أو في ماله أو في إنتاجه، ومثل هذا العقد يُطلَب ولا يُمنَع.

والله أعلم.