السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم جزاكم الله خيرا علي هذا الموقع الدعوي الفقهي العملاق و سؤالي حدثت أحداث ما لحياة امرأة  - غير مسلمة - و وقف بجانبها مسلم و في النهاية وهبت نفسها له كأمة أو جارية مع احتياج كلا منهما للآخر في ظروفه. هل يجوز لمسلم إن يتخذ امة أو جارية من غير المسلمين إن وهبت هي نفسها له كجارية لسبب ما نرجو توضيح الأمر بشكل عام و جزاكم الله خيرا

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

لا يجوز للمرأة أن تهب نفسها لا عن طريق الزواج ولا عن طريق أن تكون أمة، وإن أرادت نكاحا فليكن بالنكاح المعروف من حضور ولي وشهود وصداق، ولتيسر على الرجل ما يجعله قادرا على زواجها.

وذلك لأنَّ من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم أنه أبيح له بنص القرآن الكريم زواج الهبة، لقوله تعالى: [وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب: 50].

قال الباجي رحمه الله في المنتقى شرح الموطأ:

لا خلاف أنه لا يجوز نكاح بدون مهر لغير النبي صلى الله عليه وسلم، والأصل في ذلك قوله تعالى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب: 50]. فأخبر تعالى أن ذلك خالص للنبي صلى الله عليه وسلم دون سائر المؤمنين، فلا يحل ذلك لغيره.

قال الفخر الرازي في تفسيره لقوله تعالى:{ خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } قال الشافعي رضي الله عنه: معناه إباحة الوطء بالهبة، وحصول التزوج بلفظها من خواصك. أهـ

وقال القرطبي رحمه الله :

أجمع العلماء على أن هبة المرأة نفسها غير جائز، وأن هذا اللفظ عن الهبة لا يتم عليه نكاح إلا ما روي عن أبي حنيفة وصاحبيه فإنهم قالوا: إذا وهبت فأشهد هو على نفسه بمهر، فذلك جائز.أهـ

وقد أبيح هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره من المؤمنين، هو أن المرأة التي تهب نفسها لرسول الله تريد أن تحصل على شرف خدمته صلى الله عليه وسلم.

قال الألوسي في روح المعاني:

{ خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المؤمنين } ويتضمن ذلك الإشارة إلى أن هبة من تهب لم تكن حرصاً على الرجال وقضاء الوطر بل على الفوز بشرف خدمته صلى الله عليه وسلم، والنزول في معدن الفضل. أهـ

أما عن هبة المرأة نفسها لرجل لتكون أمة له، فهذا لا يجوز وذلك لأمور:

أن الشريعة الإسلامية حرَّمت استرقاق الحر من غير سبب، وليس من أسباب تملك الرقيق أن يهب الحر نفسه، فلا يدخل في ملك الإنسان رقيق إلا بأمور ثلاثة.

وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:

يدخل الرقيق في ملك الإنسان بواحد من الطرق الآتية :

أولا : استرقاق الأسرى والسبي من الأعداء الكفار، وقد { استرق النبي صلى الله عليه وسلم نساء بني قريظة وذراريهم }. ولا يجوز ابتداء استرقاق المسلم ; لأنَّ الإسلام ينافي ابتداء الاسترقاق ; لأنه يقع جزاء لاستنكاف الكافر عن عبودية الله تعالى،  فجازاه بأن صيره عبد عبيده.

ثانيا : ولد الأمة من غير سيدها يتبع أمه في الرق، سواء، أكان أبوه حرا أم عبدا، وهو رقيق لمالك أمه، لأن ولدها من نمائها، ونماؤها لمالكها، وللإجماع، ويستثنى من ذلك ولد المغرور وهو من تزوج امرأة على أنها حرة فإذا هي أمة. وكذا لو اشترط متزوج الأمة أن يكون أولاده منها أحرارا على ما صرح به بعض الفقهاء.

ثالثا : الشراء ممن يملكه ملكا صحيحا معترفا به شرعا، وكذا الهبة والوصية والصدقة والميراث وغيرها من صور انتقال الأموال من مالك إلى آخر. ولو كان من باع الرقيق، أو وهبه كافرا ذميا أو حربيا فيصح ذلك أيضا، وقد أهدى المقوقس للنبي صلى الله عليه وسلم جاريتين، فتسرى بإحداهما، ووهب الأخرى لحسان بن ثابت رضي الله عنه. أهـ

والأصل ـ أيها السائل ـ في الآدمين الحرية، والرق عارض ولا يجوز أن يسترق حر حتى ولو رضي بذلك؛ فإن حريته باقية على أصلها لأنها حق لله تعالى، ولا يصح من أحد أن يتنازل عن هذه الحرية لأنه لا يملك رقبته حتى يتنازل عنها. وقد قال أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟.

وقال الشيخ الشربيني:

ولا يصح وقف حر نفسه لأنَّ رقبته غير مملوكة كما لا يهب نفسه…

وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:

وقد اتفق الفقهاء على أن اللقيط إذا وجد ولم يعرف نسبه يكون حرا، وإن احتمل أنه رقيق.

قال ابن المنذر : أجمع عامة أهل العلم على أن اللقيط حر.

وقال ابن قدامة : لأنَّ الأصل في الآدميين الحرية، فإن الله تعالى خلق آدم وذريته أحرارا، وإنما الرق لعارض، فإذا لم يعلم ذلك العارض فله حكم الأصل. والحرية حق لله تعالى فلا يقدر أحد على إبطاله إلا بحكم الشرع، فلا يجوز إبطال هذا الحق، ومن ذلك أنه لا يجوز استرقاق الحر ولو رضي بذلك. أهـ

فعلى هذا لا يجوز لهذه المرأة أن تهب نفسها للرجل حتى يعاملها معاملة الإماء، لأنَّه لا يجوز لها هذا الفعل ولا تملكه.

وإذا أرادت المرأة أن تفوز بالرجل زوجا لها فعليها أن تيسر عليه تكاليف الحياة المادية وأن ترضى بالقليل فمن بركة المرأة قلة مهرها.

والله أعلم.