السؤال:

يقول الله تعالى: (والشُّعراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ . ألَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ . وأَنَّهُمْ يَقولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ) (سورة الشعراء : 224 ـ 226) نُريد شرح الآية مع ملاحظة أن الرسول كان له شاعِر يمدحُه هو حسّان بن ثابت؟

الجواب:

هذه الآية نزلت كما يقول المفسِّرون في عبد الله بن الزِّبَعْرَى ونافع بن عبد مناف وأميّة بن أبي الصَّلت، وقيل نزلت في أبي عزة الجُمَحِيّ. والذين استثناهم الله بعد هاتين الآيتين في قوله: (إِلّا الذِينَ آَمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وسَيَعْلَمُ الذِين ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبونَ) هم حسّان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وكعب بن زهير ومَن على شاكلتهم ممّن يقولون الحقّ، وجاء في كتب التفسير أنّ حسان بن ثابت لما نزلت هذه الآية أذِنَ له النبيُّ ـ صلّى الله عليه وسلم ـ بالرّد على المشركين فقال “انتصروا ولا تقولوا إلا حَقًّا، ولا تَذكُروا الآباءَ والأمَّهَاتِ” كما أذِن لكعب فيه وقال: “إن المؤمِن يجاهِد بنفسِه وسيفِه ولسانِه، والذي نفسي بيده لكأنّ ما تَرمونَهم به نَضْحُ النَّبْلِ”.
إن الشعر كلامٌ حَسَنُه حَسَنٌ وقَبيحُه قبيحٌ، والحُسْن والقُبْح يتّبعان الغرض من إنشادِه، والمعاني التي يحتويها، والمُلابسات التي تحوطه والآثار التي تترتّب عليه. فالآيات ذمّت عدم ثبات الشعراء على مبدأ واحد، وتكسُّبهم بالشعر دون اهتمام بصِدق ما يقولون وكذِبه، ومدَحت الآية الأخيرة من يتّقُون الله في أقوالهم واستهدفوا الدّفاع عن الحقّ والتبرئة مما يُنسَب إليهم من باطل.
وثبت في صحيح مسلم أن النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ سمِع أبياتًا كثيرة من شعر أميّة بن أبي الصّلت، وقال: “كاد أميّة بن أبي الصّلت أن يُسْلِم”َ وروى البغوي في معجم الصحابة وابن عبد البَرِّ في الاستيعاب بإسناد ضعيف من حديث النابِغة، واسمه قيس بن عبد الله . أنه أنشد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فدَعا له بقوله “لا يُفضِّض اللهَ فاكَ” وروى الحاكم أنه قال ذلك للعباس عندما استأذنَه في مدحه.
وكان الرسول إلى جانب سماع الشعر والثناء على قائله يُثيب عليه ويُجازِي عند الاقتضاء. فقد روى مسلم أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمّا قسَّم الغنائم يوم حنين، ولم يُعط العباسَ بن مِرداس مثل ما أعطى أبا سفيانَ بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن ـ قال شِعرا يمدح به نفسَه ويبين استحقاقه كغيرِه، أتَمّ له الرسول مائةً من الإبل، وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: إن زيادة “اقطعوا عنِّي لسانَه” ليست في شيء من الكتب المشهورة. وذكر السفاريني في كتابه “غذاء الألباب ” ج 1 ص 151 هديّة الرسول إلى كعب بن زهير على قصيدته “بانت سعاد” عندما سَمِعَ قوله:
إنَّ الرّسولَ لَنُورٌ يُستضَاءُ بِهِ
مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ مَسْلولُ
وهي بُردة لم يستطع معاوية أن يشتريَها منه، فاشتراها من ورثتِه، ثم قال: وأما خبر”الشِّعر مزامير الشّيطانِ” وخبر “إنّه جعل له كالقرآن” فواهيان. وعلى فرض ثبوت ذلك فالمراد به الشعر المحرّم… وأن عائشة ـ رضي الله عنها ـ كانت أعلم بالشعر والفريضة من غيرها، وأن النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلم ـ قال في حسّان “والله لشِعركَ عليهم أشدُّ من وقْع السّهام في غَلَس الظلام وتحفظ بيتي فيهم” فقال: والذي بعثك بالحقِّ نَبيًّا لأَسُلَّنَّكَ منهم كل تسلُّ الشَّعرةُ من العجين، ثم أخرجَ لسانَه فضرب به أرْنبةَ أنفه وقال والله يا رسول الله إنه ليتخيَّل لي أنه لو وضعته على حجر لفلقتُه، أو على شَعر لحلقتُه فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ “أَيَّدَ اللهُ حسّانًا بروح القُدُس” سمع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الشِّعر من وفْد بني تميم وردّ حسّان عليهم
ويُمكن الرجوع إلى إجابتين سابقتين عن الشِّعر وعن شعر الغَزَل لتكمُلَ الصورةُ عن الشِّعر.