السؤال:

يقول بعض الناس إن الرسل السابقين لم يُبْعثوا إلا إلى الإنس فقط، وأما سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فمن خصائصه أنه أُرْسل إلى الإنس والجن فهل هذا صحيح؟

الجواب:

،بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

فالجن عالم ليس كله شر، فهم عبيد لله تعالى منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، وهم كالإنس مكلَّفون بعبادة الله ومحاسَبون يوم القيامة، فالجن كالإنس في الأمر والنهي والثواب والعقاب، وقد أرسل الله تعالى رسوله – صلى الله عليه وسلم- إلى الإنس والجن كافة، واختلف العلماء في إرسال غيره من الأنبياء إلى الجن، ومن الجائز أن يُرسل إليهم رسلَا غيرِ المذكورين في القرآن، وهذا ما أفتى به فضيلة الشيخ عطية صقر –رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقا- فيقول فضيلته:

الجن مكلَّفون كالإنس، ولا بدَّ للتكليف من رسالة رسول، ومن المؤكَّد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أُرْسل إلى الجن كما أُرسل إلى الإنس، قال تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) (سورة الجن: 1)، وقَال: ( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ موُسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْه يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِه يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ). (سورة الأحقاف:29-31) فَهَلْ قَوْلُهُم: (إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى…) يدل على أن موسى كان مُرسَلًا إلى الجن، أو لم يَكن مرسلًا إليهم ولكنَّهم عَرَفوا أن كتابًا نَزَل عليه، وهل معرفتهم بموسى تدل على إيمانهم به أو عدم إيمانهم؟

بعض العلماء يقول: كان الجن الذين لَقَوُا النبي ـصلى الله عليه وسلم ـ يهودًا يعنى آمنوا بموسى. ومنهم عطاء الذي قال: كانوا يهودًا فأسلموا وارتضى القرطبي في تفسيره هذا الرأي “ج16 ص 217”.

ويقول ابن عباس: إنَّ الجنَّ لم تكن سمعت بأمر عيسى ـ عليه السلام ـ، وقوله تعالى: (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) يُراد التوراة لا الإنجيل، فهلْ هؤلاء الجن كانوا مُقِيمين بالمِنْطَقة التي أُرسل فيها موسى فقط، ولم يدخلوا المنطقة التي أرسل فيها عيسى؟ وهل كان إيمانهم بموسى تكليفًا أُلزِموا به أو كان اختيارًا منهم دون تكليف؟ وكل ذلك مع التسليم بأن كل الجن مكلَّفون بعبادة الله ومحاسَبون يوم القيامة، ومن الجائز أن يُرسل إليهم رسلَ غيرِ المذكورين في القرآن وهم خمسة وعشرون، فالله يقول: (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) (سورة النساء:164).

ولِعَدم التأكد من رسالة موسى وعيسى وغيرهما إلى الجن قال بعض العُلماء ومنهم مقاتل بن سليمان من رجال التفسير: لم يبعث الله نبيًّا إلى الجن والإنس قبل محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ “تفسير القرطبي ج16 ص 217”.

وارتضى القرطبي هذا القول واستدلَّ عليه بما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال “أُعْطِيت خمسًا لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ قبْلِي، كان كل نبي يُبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى كل أحمر وأسود، وأُحِلَّت لِيَ الغنائم ولم تَحِلَّ لأحد قبلي، وجُعلت لي الأرض طيَّبة طهورًا ومسجدًا، فأيُّما رجلٍ أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونُصِرْت بالرُّعب بين يدي مسيرة شهر، وأُعطيت الشفاعة” قال مجاهد: الأحمر والأسود هما الجن والإنس، وفي رواية من حديث أبي هريرة: “وبُعثت إلى الخلق كافة وخُتم بي النبيون”.

ويُفَرِّع القرطبي على ذلك مسألة يقول فيها: إن الجن كالإنس في الأمر والنهي والثواب والعقاب، وقال الحسن: ليس لمؤمني الجن ثواب غير نجاتهم من النار، يدل عليه قوله تعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)، وبه قال أبو حنيفة قال: ليس ثواب الجن إلا أن يُجاروا من النار، ثم يقال لهم: كونوا تُرابًا مثل البهائم، وقال آخرون: إنهم كما يُعاقَبون في الإساءة يُجازَوْن في الإحسان مثل الإنس، وإليه ذهب مالك والشافعي وابن أبي ليلي، وقد قال الضحَّاك بن مزاحم: الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون. قال القُشيْرى: والصحيح أن هذا مما لم يُقطع فيه بشيء والعلم عند الله. انتهى ما قاله القرطبي.

وجاء في شرح الزُّرقاني على المواهب اللدنِّية للقسطلاني “ج5 ص 69” أن من أدلة مالك على الثواب والعقاب قوله تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) ثم قال: ( فِبَأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (سورة الرحمن: 46،47) والخطاب للإنس والجن، فإذا ثبت أن فيهم مؤمنين ومن شأن المؤمن أن يخاف مقام ربه ثبت المطلوب، وجاء في الرد على أبي حنيفة في أنهم لا يُثابون بأن الثواب مسكوت عنه – أي في الآية التي استدلَّ بها – وأن ذلك من قول الجن فيجوز أنهم لم يطَّلعوا على ذلك وخَفِيَ عليهم ما أعده الله لهم من الثواب.

وبعد، فإن الكلام في ثواب الجن المؤمن من أمور الغيب وقول القشيري فيه صحيح، وليس ذلك مما يُهمُّنا عِلميًّا في الدنيا، وما ذكرته إلا للسؤال عنه من جملة الأسئلة الكثيرة التي تُوجَّه إليَّ. ومن أراد الاستزادة فعليه بكتاب “آكام المرجان” للشِّبْلي ص 34 –62.

والله أعلم.