السؤال:

هل يجوز تعليق صور الحيوان على نحو الجدار أو الأستار المرتفعة أم لا ؟

الجواب:

المحرم في اتخاذ الصور وتعليقها هو ما اتخذ بهيئة التعظيم ، لأن العلة في النهي عن التصوير والصور المعظمة هي محاكاة عباد الأصنام، فإذا انتفت العلة انتفى المعلول، وقد زالت العلة الآن ولاسيما فيما يتخذ من الصور لأجل العلم أو لمصالح الدول والحكومات.

يقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله-ردا على سؤال مماثل:
اختلف العلماء في اتخاذ الصور فقيل : إنه محرم مطلقًا, وقيل: إن المحرم منها ما له ظل، وأما ما لا ظل له فلا بأس باتخاذه, وقيل: إن المحرم هو ما اتخذ بهيئة التعظيم، وهذا أقوى الأقوال عندي لوجهين:

أحدهما: حديث عائشة عند أحمد والبخاري ومسلم ؛ وهو أنها نصبت سترًا وفيه تصاوير، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزعه. قالت: فقطعته وسادتين، فكان يرتفق عليهما وفي لفظ لأحمد (فقطعته مرفقتين ، فلقد رأيته متكئًا على إحداهما وفيها صورة) المرفقة: المتكأ والمخدة..ولو كانت الصورة ممنوعة لذاتها لأزالها من المرفقة, وإنما هتك الستر لأنه كان منصوبًا كالصورة المعبودة، فهو يذكر بها وفيه تشبه بعابديها.

ثانيهما: العلة الحقيقية في النهي عن التصوير والصور المعظمة؛ وهي محاكاة عباد الأصنام لا ما قالوه من أن فيها محاكاة خلق الله، فإن هذه العلة تقتضي تحريم تصوير الشجر والجماد، وقد نقل بعضهم الإجماع على حله؛ فإذا انتفت العلة انتفى المعلول.

ولمثل هذه العلة نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور في أول الإسلام، ثم رخص فيها بشرط أن تكون للعبرة وتذكر الآخرة؛ لأن ذلك المعنى التعبدي الوثني كان قد زال، فإذا قلت: إن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا ، وعلمت أن أهل هذا الزمان لا يتخذون الصور للعبادة ولا تذكرهم رؤيتها بعبادتها ولا عابديها؛ إلا ما يكون في معابد الوثنيين، وبعض طوائف النصارى، وفي بعض بيوتهم من صور المسيح وأمه عليهما السلام، وبعض حوارييه رضي الله عنهم، إذا قلت هذا القول وعلمت هذا العلم، وظهر لك أن الذريعة التي أراد النبي صلى الله عليه وسلم سدها بنزع ذلك الستر، كان لك أن تقول: إنه لا يظهر لتعليق صور من لا يعظم تعظيمًا دينيًّا وجه للحظر.

ومن الفقهاء من بحث في اتخاذ الصور من وجوه أخرى؛ كتحقيق معنى الصورة، وهي صورة الحيوان الكامل الخلقة، فقالوا: إن الصورة إذا كانت غير تامة لا يمتنع اتخاذها بالتعليق ولا بغير التعليق، وعبر بعضهم بالمنع من الصورة التي يعيش مثلها ، وجعلها هي الممنوعة دون التي لا يعيش مثلها، وكنت أرى بعض المشايخ المتورعين إذا أتى بورقة فيها صورة، وكانت من الأوراق التي يحتاج إلى استعمالها كما تراه كثيرًا في الأوراق وغير الأوراق من متاع أوربة، يأخذ الموسى بيده فيحزّ في الورقة رأس الصورة حزًّا، ويقول: الآن لا يعيش مثلها، وكنت ولا أزال أتعجب من هذا العمل.

وذهب بعضهم في بيان حظر تصوير الحيوان إلى أن علته مضاهاة خلق الله تعالى، وقصد ذلك بدليل ما ورد في الحديث الصحيح دالًّا على ذلك، وهذا لا يأتي في متخذ الصورة بل في المصور.

قال القسطلاني في شرحه للبخاري بعد كلام في ذلك: والحاصل كراهة صورة حيوان منقوشة على سقف جدار أو وسادة منصوبة أو ستر معلق أو ثوب ملبوس, وأنه يجوز ما على الأرض أو بساط يداس أو مخدة يُتكأ عليها ومقطوع الرأس وصورة شجرة . والفرق أن ما يُوطأ ويطرح مهان مبتذل، والمنصوب مرتفع يشبه الأصنام وهذا هو التعليل الصحيح كما قدمنا.

وقد زالت العلة الآن ولاسيما فيما يتخذ من الصور لأجل العلم؛ كالطب والتشريح والتاريخ الطبيعي أو لمصالح الدول والحكومات؛ كصور جواسيس الحرب والمجرمين أو تحقيق الشخصية لمصالح كثيرة.