السؤال:

ما موقف الإسلام من أقوال الفَلكيِّين في أوّل كلِّ سَنة عن الأحداث التي ستحصُل في الكَون ؟

الجواب:

من المعروف في العقائِدِ أن المستقبلَ غَيب لا يعلمه إلا الله تعالى، كما قال سبحانه: (وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لَا يَعْلَمُها إِلّا هُوَ) (سورة الأنعام 59) وقال: (إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثِ ويَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحامِ ومَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا ومَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (سورة لقمان : 34) وقال: (عَالمُ الغَيبِ فلا يُظهِرُ عَلى غَيْبِه أَحَدًا . إِلّا مَن ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنّه يَسْلُكُ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) (سورة الجن : 26 ، 27).

وعلم الله يتميّز بأمرين، أو لهما الصِّدق واليقين بحيث لا يَعتريه شكٌّ، والثاني الإحاطة والشمول فلا يَغيب عن علمه شيء، وكل ما يُنشَر عن الفلكيين أو غيرهم أكثره استنتاج وفراسة وظنٌّ وتخمين وبراعة في الرّبط بين حركات النجوم وتأثيرها على الجوّ حَرارة وبرودة ورُطوبة وجَفافًا وعواصِفَ وأمطارًا، وما ينتج عن ذلك من رَخاء أو قَحط أو قَلاقل وفتن نتيجة للحالة الاقتصاديّة وما تؤثّر فيه من الناحية السّياسية والحربيّة والاجتماعيّة وما إلى ذلك.

ولاشكّ أن الآثار والنتائج هي مُحصّلة عدة عوامل يَتفاعل بعضها مع بعض، وتنتج بشكل طبيعي نتائج مختلفةٌ يمكن إدراكها قبل وقوعها لمن عندهم فراسة وحسن تقدير وربط بين الأسباب والمُسبَّبات.

ومع ذلك فكلُّه من باب الظنون التي لا يقطع بها، فقدرة الله وإرادته في تصريف هذه الأسباب وفي إنتاجها للمسبَّبات فوق كل تدبير وتقدير وحساب من البشر، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنّ اللهَ يُزْجِى سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَه ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الوَدَقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِه ويُنَزِّلُ مِنَ السّماءِ مِنْ جِبال فِيها مِنْ بَرَدٍ فيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ ويَصْرِفُه عَمَّن يَشاءُ) (سورة النور : 43).

وقال تعالى: (اللهُ الذِي أرْسلَ الرِّياحَ فتُثِيرُ سَحابًا فيبْسُطُهُ فِي السّمَاء كَيْفَ يَشاءُ ويَجْعَلُهُ كِسَفًا فتَرى الوَدَقَ يَخرُج مْنْ خِلالِه فإذا أُصيبَ بِه مَن يَشاء مِن عِباده إذَا هُمْ يَستبشِرونَ . وإنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ) (سورة الروم : 48 ، 49).

فالخُلاصة أنّ هذه التنبُّؤات ظَنّيّة وليست قطعيّة، ومَن ادّعى أنّها قطعيّة فقد خالَف قولَ الله في علمه للغَيب، وتعيين أشخاص يموتون أو يتولَّوْن مناصِب أو يُعزَلون، كل ذلك إفراط في التخمين يكذِّبه الواقع كثيرًا، ويبقى الأمر كله لله وحده، والأمثلة على ذلك كثيرة في التاريخ “انظر: مفتاح دار السعادة لابن القيّم ، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 282 ـ 300” يقول الدُّميري “742ـ 808هـ” في كتابه “حياة الحيوان الكبرى”: رُوِيَ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنّه قال “إذا ذُكِرَ القَدَرُ فأمْسكوا وإذا ذُكِرَ النّجومُ فأمسِكوا، وإذا ذُكِرَ أصحابي فأمسِكوا” رواه الطّبراني وأبو نُعيم في الحِليّة، وحسّنه بعض أصحاب الأمالي عن ابن مسعود، وقال “أخافُ على أمَّتي بعدي ثلاثًا، حَيْف الأئمةِ والإيمان بالنّجوم والتكذيب بالقَدَر” رواه ابن عبد البَرِّ وابن عساكر وهو ضعيف وقال عمر بن الخطّاب ـ رضي الله عنه: تعلَّموا من النُّجوم ما تهتدوا به في البَحر والبَرِّ ثُمّ أمسِكوا.

ويبين الدّميري سرَّ النهي عن ذلك بعد فتنة الناس بالنجوم، حتى لا يربطوا بينها وبين الأحداث فينسَوا ربَّهم الذي خَلق كلَّ شيء، وبأن نتائِجها ظنيّة لا يجوز الحكم بالظن، وبأن الاشتغال بالنجوم من هذه الناحية فُضول ليست فيه فائدة تذكر، وهناك ما هو أهمُّ منه. هكذا يقول الدميري، وقال كثيرًا غير ذلك “ج 1 ص 15، 16 مادة الأسد” وجاء في ذلك قول محمد بن عبد الله بن محمود الحسيني:

لا شَيْءَ أَجْهْلُ مِمَّنْ يَدَّعِي ثِقةً
بِحَدْسِهِ ويَرَى فِيمَا يَرَى رِيَبَا
قَدْ يَجْهلُ المَرْءُ مَا فِي بَيْتِهِ نَظَرًا
فَكَيْفَ عَنْهُ بِمَا فِي عَيْنِهِ احْتَجَبَا
وقول سيِّدنا عليّ، أو يوسف بن عبد البَّرِّ:
أَمُنْتَحِلي النُّجومِ أَحْلْتُمونَا
عَلَى عِلْمٍ أَرَقَّ مِنَ الهَبَاءِ
عُلومُ الأرْض مَا أَحْكَمْتمُوها
فَكَيْفَ بِكُمْ إِلَى عِلْمِ السَّماءِ

وأنا أقول : إذا كان الاشتغال بعلم النجوم من أجل معرفة أسرار الكون وحسن استخدامها كما يحصل الآن من الجهود في غزو الفضاء ـ كما يعبِّرون ـ فلا بأس به، بل الدين يشجِّعه مادام ذلك من أجل الخَير، أما سوء استخدام هذا العلم أو ادّعاء معرفة الغيب على وجه اليقين فذلك ضلال لا يوافِق عليه الدين.

 


الوسوم: , ,