السؤال:

هل صحيح أن المعراج كان بالروح دون الجسد أو رؤيا منامية؟  لأنه لو حصل ليلة الإسراء بالجسد مثله لذكر معه في سورته، فنرجو منكم بيان الحقيقة؟؟

الجواب:

فمسألة الإسراء والمعراج قد اختلف العلماء فيها بالروح كانت أم بالجسد, وقد رجح بعض المحققين أنه كان روحانيًا، فالذي يتتبع النصوص يرجح ما يراه أقوى وأقرب إلى الجمع بين المعقول والمنقول ، ومن لا نظر له في ذلك يقلد من يثق به أو يطمئن قلبه لقول الأكثرين، وهو أن ذلك كان يقظة بالروح والجسد، والعبرة في المسائل الاعتقادية بما يطمئن إليه القلب .

يقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله-ردا على سؤال مماثل :
اختلف علماء السلف والخلف في الإسراء والمعراج , أكانا بالروح والجسد أم بالروح فقط , وفي اليقظة أم في المنام , وقد رجح بعض المحققين أن الإسراء نفسه كان روحانيًا فما بالك بالمعراج؟

قال ابن القيم في كتابه (زاد المعاد في هدي خير العباد) ما نصه :
وقد نقل ابن إسحق عن عائشة ومعاوية أنهما قالا: إنما كان الإسراء بروحه ولم يفقد جسده، ونقل عن الحسن البصري نحو ذلك، ولكن ينبغي أن يعلم الفرق بين أن يقال : كان الإسراء منامًا، وبين أن يقال: كان بروحه دون جسده , وبينهما فرق عظيم.

وعائشة ومعاوية لم يقولا كان منامًا وإنما قالا أُسري بروحه ولم يفقد جسده وفرق بين الأمرين، فإن ما يراه النائم قد يكون أمثالاً مضروبة للمعلوم في الصور المحسوسة، فيرى النائم كأنه قد عرج به إلى السماء أو ذهب إلى مكة وأقطار الأرض، وروحه لم تصعد ولم تذهب وإنما ملك الرؤيا ضرب له المثال.

والذين قالوا: عرج رسول الله صلى الله عليه وسلم طائفتان طائفة قالت: عرج بروحه وبدنه، وطائفة قالت: عرج بروحه ولم يفقد بدنه، وهؤلاء لم يريدوا أن المعراج كان منامًا ، وإنما أرادوا أن الروح ذاتها أسري بها وعرج بها حقيقة، وباشرت من جنس ما تباشر بعد المفارقة، وكان حالها في ذلك كحالها بعد المفارقة في صعودها إلى السموات .أ.هـ

وأطال في بيان الفرق، وذكر فيه حل إشكال في حديث المعراج، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى موسى في قبره بالكثيب الأحمر ( من أرض فلسطين )، ورآه في السماء السادسة، ولم يعرج جسد موسى من قبره إلى السماء، وإنما تلك روحه صلى الله عليه وسلم.

هذا وإن من أدلة القائلين بأن المعراج كان منامًا رواية شريك في صحيح البخاري، فإنه يقول في آخر الحديث: (ثم استيقظت) والذين لا يقولون بذلك يغلطون رواية شريك ومنهم من يقول بتعدد المعراج.

قال ابن القيم :
قال الزهري : عرج بروح رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس وإلى السماء قبل خروجه إلى المدينة بسنة، وقال ابن عبد البر وغيره : كان بين الإسراء والهجرة سنة وشهران انتهى.

وكان الإسراء مرة واحدة وقيل مرتين: مرة يقظة ومرة منامًا وأرباب هذا القول كأنهم أرادوا أن يجمعوا بين حديث شريك وقوله: (ثم استيقظت) وبين سائر الروايات، ومنهم من قال بل كان هذا مرتين: مرة قبل أن يوحى إليه ومرة بعد الوحي كما دلت عليه سائر الأحاديث , ومنهم من قال بل ثلاث مرات: مرة قبل الوحي ومرتين بعده , وكل هذا خبط.

وهذه طريقة ضعفاء الظاهرية من أرباب النقل الذين إذا رأوا في القصة لفظة تخالف سياق بعض الروايات جعلوه مرة أخرى, فكلما اختلفت عليهم الروايات عددوا الوقائع؛ إلى أن قال بعد تعجب من القائلين بالتعدد مما يلزمه من القول بتعدد فرض الصلاة ، وقد غلط الحفاظ شريكًا في ألفاظ حديث الإسراء.

ومسلم أورد المسند منه ثم قال : فقدم وأخر وزاد ونقص.

أقول :وفي روايات حديث المعراج اضطراب واختلاف كثير لا يقبل الجمع إلا بتكلف وتسليم ما تسلم به النفس، ولا يصدقه العقل كقول بعضهم : إن المعراج متعدد كان بعضه يقظة وبعضه منامًا, ولا يستطيع عاقل أن يقبل أن يتعدد فرض الله الصلاة على نبيه خمسين ومراجعته فيها، حتى يجعلها خمسًا مرارًا متعددة، ولذلك اضطر بعض المحققين إلى الجزم بأن بعض روايات الصحيحين في المعراج غلط.

وتعدد الرؤيا واختلاف رؤية الأنبياء في السماوات فيها لا يعد مشكلاً كتعدد ذلك في اليقظة، وإذا صححنا رواية واحدة من هذه الروايات ورددنا ما عداها وإن كان في البخاري ، فحينئذ يكون ما قاله المحقق ابن القيم هو الأقرب ، وهو أن ذلك كله كان مشاهدة روحية، لم ينتقل فيها جسده الشريف من مكانه، ولا يبعد أن يقع الغلط في الروايات الصحيحة السند، فإن من قل غلطه وشذوذه لا ترد روايته البتة.

وجملة القول: أن مسألة المعراج فيها الخلاف الذي عرفت، فالذي يتتبع النصوص يرجح ما يراه أقوى وأقرب إلى الجمع بين المعقول والمنقول، ومن لا نظر له في ذلك يقلد من يثق به أو يطمئن قلبه لقول الأكثرين، وهو أن ذلك كان يقظة بالروح والجسد، والعبرة في المسائل الاعتقادية بما يطمئن إليه القلب.