السؤال:

ما حكم التَّطَيُّر والتشاؤم ؟

الجواب:

التَّطَيُّر مصدر تطيَّر، والطِّيَرة ـ بكسر الطاء وفتح الياء وقد تُسَكَّن ـ مصدر أيضًا لهذا الفعل، مثل تَخَيَّر خِيَرة . ولم يجئ من المصادر هكذا غيرهما . ومعناها الاستدلال من طيران الطائر أو من رؤية شيء أو سماع صوت على ما سيحصُل للإنسان، وقد كان العرب يَزْجرون الطير من أماكنها، فإن طارت يمينًا استبشرت، وإن طارت شمالاً تشاءمت .

والتشاؤم نوع من التَّطيُّر إذا كان ردُّ الفعل مكروهًا، ويقابله التفاؤل والفأْل إذا كان ردُّ الفعل مقبولاً .

والباعث عليه هو رغبة الإنسان في معرفة ما يغيب له، وهو قديم تحدَّث عنه القرآن الكريم، فقال عن ثمود قوم صالح ـ عليه السلام ـ (قَالوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ، قَال طَائِرُكُم عند الله) (النمل : 47) وعن قوم موسى ـ عليه السلام ـ (وإِنْ تُصِبْهُم سيئة يَطَّيَّرُوا بموسى ومَنْ مَعَهُ أَلا إنَّما طَائِرُهُم عند الله) (الأعراف : 131) وعن أصحاب القَرية التي بَعث إليها أصحاب عيسى ـ عليه السلام (قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُم وَلَيَمَسَّنَّكُم منَّا عذابٌ أَلِيم. قَالُوا طَائِرُكُم مَعَكُمْ) (يس : 18،19).

وكان معروفًا عند العرب في الجاهلية، وبخاصة في طيران الطير أو زَجْرِه أو زجر الوحوش وإِثَارَتِها، فما تَيَامَنَ منها سَمَّوْه “السَّانِح”، وما تَيَاسَرَ سَمَّوْه ” البَارِح”، وما استقبلهم سموه “النَّاطِح”، وما جاءهم من الخلف سَمَّوْه “القَعِيد أو القاعد”، ومن اشتَهر عندهم بمعرفة ذلك يُسَمُّونه” العائِف أو العرَّاف” ومنهم عرَّاف اليمامة والأبلق الأُسَيْدِيُّ وَعُرْوَةُ بن زَيْد.

ومنهم من كان يَقْدح فيه ولا يَعْترف به، كالمُرَقَّش السَّدُوسِيِّ وجَهْمٍ الهُذَلِيِّ، وجاء في ذلك قول المُرَقَّش:
ولقد غدوت وكنت لا أغدو على واقٍ وحائم
فإذا الأشائِمُ كالأيامِنِ والأيامِنُ كَالأشائِمِ
وكذاك لا خيرٌ ولا شرٌّ على أحد بدائم
لا يمنعنَّك من بَغاء الخير تَعْقَاد التمائم
قد خُطَّ ذلك في السطور الأوليات القدائم
والواقي هو الصَّرد ـ نوع من الطيور ـ والحائم هو الغراب.

يقول ابن القيم : من اهتم بذلك أسرع إليه التأثُّر، وكثر وسواسه فيما يُسمَعُه ويُرَاه ويُعطاه، فإذا أُهدي إليه سَفَرْجَل أو سمع اسمه تشاءم وقال: سفر وجلاء، وهكذا، وذكر عدة حوادث في ذلك.

وقد ذمَّ الله التَّطَيُّر وحكاه عن قوم هم أعداء الرسل، ومعنى طائركم وطائرهم ما قضى وقدَّره عليهم بسبب كفرهم وتكذيبهم، وهو راجع عليهم، وذمَّه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديث الصحيحين عن الذين يدخلون الجنة بغير حساب بقوله: “ولا يَتَطَيَّرون وعلى ربهم يتوكلون”، وفي غير ذلك من الأحاديث التي سبق ذكرها. وجاء في مسلم أن معاوية بن الحكم السُّلَمِي قال: يا رسول الله، ومنا أناس يتطيرون، فقال “ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدَّنَّه” فبيَّن أن تأثيرها ليس من ذاتها، بل من الإنسان نفسه الذي يَعتقد فيها.

ومع نَهْيِ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الطِّيَرة كان يحب الفَأْلَ الحسن، ففي الصحيحين “لا عَدْوَى ولا طِيَرة، وأُحِبُّ الْفَأْلَ الصالح” وفي لفظ “وخيرها الفأل”وفي لفظ “وأَصْدَقها الفأل” ومنه قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ “إذا أَبْردتم إلىَّ بريدًا فاجعلوه حسن الاسم حسن الوجه” وله في الفأل حوادث، منها اختيار مَن اسمُه “يعيش” ليَحْلِبَ النَّاقة ورفض مَن اسمُه “حرب”، وأخبر عمر عن سبب ذلك ونفَى أنه تَطَيُّر فقال “ظننت يا عمر أنها طِيَرَة، ولا طَيْرَ إلا طَيْرُه، ولا خير إلا خيره، ولكنْ أُحب الفأْل” وكرِه المرور يوم بدر بطريق فيه جبلان لم يُعْجبه اسمهما ولا اسم الساكنين فيه. وفي الصحيحين أنه قال: “الشؤم في ثلاث، في المرأة والدار والدابة” وفي المُوَطَّأ أنه أمر امرأة بالتحوُّل من دارها لِمَا أصابهم فيها من مكروه.

وقد علَّق ابن القيم على ذلك: بأن الفأل ليس فيه شرك بل فيه تقرير لطبيعة الإنسان في حب الخير وكراهية الشر، كما يحب الصوت الحسن والرائحة الطيبة والأخبار السارة عن الخِصْب والصحة والانتصار، مع اعتقاد أن هذه الأمور لا تُؤثِّر أبدًا إلا بإذن الله، كما في التشاؤم بالدار، والتشاؤم قد يُؤَدِّي إلى الشرك، وترك التوكل على الله. أما الفَأْلُ فيُفْضِي إلى الأمل والطاعة وتوحيد الله. وقال بعضهم في الفرق بين التَّطَيُّر والفَأْل. إنَّ الفَأْلَ فيه إبَانة عن شيء حاصل في النفس، وهو الارتياح الذي ظهر بسماعه الاسم الحسن مثلاً، أما التطير ففيه استدلال على شيء غير حاصل.

وحديث الشؤم رُوِيَ بوجْهين، أحدهما بالجزم والثاني بالشرط.

فالأول “الشُّؤم في الدار والمرأة والفرس” والثاني “إنْ يَكُن من الشؤم شيء حقًّا ففي الفرس والمسكن والمرأة” فقالت طائفة: لم يجزم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالشؤم في هذه الثلاثة، بل علَّقه على الشرط، ولا يلزم من صدق الشرطية صدق كل واحد من طرفيْها، وقالت طائفة أخرى: إضافة الشؤم إليها مجاز واتساع، أي قد يحصل مقارنًا لها؛ لأنها هي نفسها مما يوجب الشؤم، فقد تكون الدار قد قضى الله أن يُميت فيها بعضًا من خَلْقه، فمن كتب الله عليه الموت في تلك الدار حسَّن إليه سُكناها حتى يُقبَض فيها. سئل مالك ـ رضي الله عنه ـ عن الشؤم في الدار فقال: إن ذلك كذِبٌ فيما نرى، كم من دار سكنها ناس فهَلكوا، ثم سكنها آخرون فملَكوا.

وقال آخرون: إنما يلحق الشؤم مَن تشاءم منها، أما من توكَّل على الله فلا يَلحقه ضرر منها، ولذلك نصح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المرأة أن تتحول عن هذه الدار ما دامت تتشاءم منها، وهو من باب الرحمة والتيسير، بدل أن يُرْغِمَها على سُكْنَاها، ونفسها لم تتهيأ لترك الشؤم وللاتكال على الله بعد، فقد يَزيدها ذلك اعتقادًا في التَّطَيُّر وهو شرك، أو يُسْلِمها إلى الحزن بكراهة الدار، ولو أُرغم مَن ضاق رزقه في بلد على عدم مفارقتها لكان ذلك هو الحرج الذي لا يرضاه الله لعباده.

ثم يجيب ابن القيم إجابة جامعة عن كل ما نُسِبَ إلى الرسول وغيره من الفأل بقوله: إن بين الأسماء والمسميات ارتباطًا بقدرة الله. وألهمه الله للعباد، وليس ارتباط العِلَّة بمعلولها، بل ارتباط تَنَاسُب وتَشَاكُل، ولكل شيء من اسمه نصيب بقدر ما، ووقوع حوادث مرتبطة بأشياء أخرى هو مصادفة واتفاق، وليس على سبيل التسبُّب والتأثير.

ثم يقول: تعطيل الأسباب تعطيل للشرع ومصالح الدنيا، والاعتماد عليها كلية شرك بالله تعالى، فالمقامات ثلاثة: أحدها تجريد التوحيد وإثبات الأسباب، وهو ما جاء به الشرع، والثاني الشرك في الأسباب بالمعبود، والثالث إنكار الأسباب بالكُليَّة محافظة مِن مُنكرها على التوحيد. فالمنحرفون طرفان مذمومان، إما قادح في التوحيد بالأسباب، وإما منكر للأسباب بالتوحيد، والحق غير ذلك، وهو إثبات التوحيد والأسباب وربطُ أحدهما بالآخر، فالأسباب مَحَلُّ حُكْمه الديني والكوني، والحكمان عليها يجريان، بل عليها يترتب الأمر والنهي والثواب والعقاب، والتوحيد تجريد الربوبية والإلهية عن كل شرك.

وذَكر في التوفيق بين النهي عن الاقتراب من المجذوم، وبين أكْلِ النبي معه، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أثبت السبب وأمر بالفِرَار، وأثبت المانع وهو التوكُّل فأجاز المؤاكلة، لكن لا يَقْدر كلُّ أحد على المانع وهو التوكُّل، فأرشد إلى مجانبة المجذوم تشريعًا للفرار من أسباب الأذي، ووضْع يده معه تعليم للأمة بدفع الأسباب بما هو أقوى منها، وإعلام بأن الضرر والنفع بيد الله ـ عز وجل ـ فالمؤمن إذا وثِق بالله لا يضره السبب، كما قيل عند الطِّيَرة” اللهم لا طيْر إلا طيرُك ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك، اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يَذهب بالسيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك” ثم يمضي لحاجته.

هذا الأثر ذكره ابن القيم في بحثه عن الطِّيَرة والتشاؤم، وروى أبو عمرو في “التمهيد” بسند فيه ابن لُهَيْعَة عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : “من أَرْجعَتْه الطِّيَرة من حاجته فقد أشْرَكَ” قال: وما كَفارة ذلك؟ قال: “أن يقول أحدهم…” وذكر الحديث، وأورد عن كعب الأحبار مثل ذلك وأنه في التوراة.