السؤال:

ما هو السِّر في تكليف الله لنا بالصلاة أكثر من مَرة في اليوم والليلة، الأمر الذي يشغلنا عن الكفاح لطلب الرزق والاستمتاع الكامل بالحياة؟

الجواب:

على ضوء الحِكْمَة العامة للتشريع وهي ربط المخلوق بالخالق، وإعداده لحمل الأمانة وتحقيق الخلافة يمكن أن تظهر حِكْمَة التشريع في الصلاة التي هي أفضل العبادات وأقواها أثرًا في إظهار العبودية لله، وفي إعداد الشخص نفسيًا وخُلقيًا وتهيئته لحياة سعيدة كريمة. وقد ورد في بيان سرها ومَغزاها آيتان كريمتان هما قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) (سورة طه : 14) وقوله: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (سورة العنكبوت : 45).
وعلى ضوء الحِكْمَة العامة للتشريع يمكن بيان بعض أسرارها فيما يلي:
1 ـ الصَّلاة فيها ذِكْرٌ لله يربط المخلوق بالخالق، فالمُصلِّي يدخل صلاته بالتكبير لله، الذي يشعر بالوحدانية المُطلقة والإقرار بسُلْطان الله الواسع وعِزته البالغة، وهو في الفاتحة يحمده ويُثني عليه بمَحَامِدِ الصفات ويُقِر له وَحْدَه بالعبادة ويطلب منه وحده المعونة والهداية إلى الصراط المستقيم وهو يركع خاضًعا ويسجد خاشعًا ويُوحده مُتشهدًا.
وفيما بين ذلك يقرأ ويُسَبِّح ويُكَبِّر. وكلُّ ذلك مظاهر واضحة لربط المُصَلِّي بربه. يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما يرويه عن ربه “قَسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نِصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قال الله: حَمدَني عبدي. وإذا قال الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قال أَثْنَى عليَّ عبدي، وإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال: مَجَّدني عبدي. وإذا قال إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ . قال: هذا بيني وبيْن عبدي ولعبدي ما سأل وإذا قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل” رواه مسلم.
ومن أجل قوة هذا الرِّبَاط الرُّوحي كانت الصلاة من أكبر ما يُكَفِّر الذنوب، على ما جاء في قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) (سورة هود : 114) وكما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ “أرأيتُم لو أنَّ نَهْرًا ببابِ أحدكُمْ يغتسل فيه كلَّ يوم خمس مرات هل يبقى من دَرَنِهِ شيء؟” قالوا لا يبقى من دَرَنِهِ شيء قال: “فكذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهنَّ الخطايا” رواه البخاري ومسلم.
2 ـ الصلاة فيها إشراق للرُّوح وتطهير للقلب، وأُنْس بالله وطُمَأْنينة للنفس، بمناجاة تُذْهِب الهَمَّ وتُفْسِح الصدرَ بالأمل، وتُبْعِده عن العُقد النفسية، وتقوي العزيمة على العمل، ولهذا كانت مَلْجأ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما يَحْزُبُه أمر أو يَهُمُّه موضوع. ففي الحديث: كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا حَزَبَهُ أو حَزنَه أمر فزع إلى الصلاة، رواه أحمد: وجاء عنه قوله: “وجُعِلت قُرة عيني في الصلاة” رواه النسائي والطبراني والضحاك وصححه، وقال الحافظ : إسناده جيد.
وفي الصلاة تصفية للنفس من الكبر والغرور، بالذلة لله والضراعة وطأطأة رأسه التي طالما ارتفعت على الناس، ولمس التراب بأشرف شيء في الإنسان تواضعًا وخضوعًا لخالق هذه الأعضاء.
والصلاة بما اشتملت عليه من أقوال وأفعال تعوِّد الإنسان أن يُقرن العلم بالعمل، وألا يقتصر في حياته على العلم بالحقائق، بل لابد من تطبيقها والإفادة منها في الحياة، ويبدو ذلك واضحًا في الركوع والسجود، اللَّذيْن هما تطبيق عملي للإقرار بعظمة الله ووحدانيته ولطلب المعونة والهداية منه، فهمًا بذِلَّة الإنسان وتواضعه واحتياجه لربه.
وفي الصلاة تقوية لعامل الخَوْفِ من الله يدعو إلى الإخلاص في العمل، وإلى مراقبته في جميع الشئون، وفي الصلاة أيضًا تمرين على النظام في الحياة العامة، بما فيها من ضَبْطٍ لأوْقَاتِها وتنسيق لأداء أركانها، وترتيب الإنسان لمواعيد نوْمه، ويقظته وأعماله الأخرى.
بحيث يساعد هذا الترتيب على أداء الصلوات في أوقاتها المَحْدودة لها، كما أن الصلاة تعوِّد النظافة بما اشترط لها من طهارة، وفي حركاتها المُختلفة رياضة تفوق التمرينات التي يحرص عليها كثير من الناس؛ ذلك لأنها تجمع في رياضة الجسم رياضة الروح بالذِّكر والدعاء.
3 ـ الصلاة تُصْقِل نفس صاحبها وترقق قلبه وتُرهف حِسَّه وتُهَذِّب غرائزه فيخرج منها ليعامل الناس بعِفة اللسان ولين الكلام وخَفْض الجناح ورحمة الضعفاء ومواساة المُحتاجين، ويؤيد فائدتها في الميدان الاجتماعي النَّعي على الذين يصلُّون ولا يُفيدون من صلاتهم، بل يخرجون منها ولا تمتد أيديهم بالخير إلى الناس؛ لأنهم دخلوها رياء لا قلبٌ يخشى ولا عقلٌ يفهم، قال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ . الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) (سورة الماعون: 4ـ7).
والصلاة الكاملة الخاشعة تنأى بالإنسان عن اقتراف المُنكر وإتيان الفواحش، سواء أكان ذلك بينه وبين نفسه أم بينه وبين الناس، يدلُّ على ذلك قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (سورة العنكبوت: 45) وقال رجلٌ لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إن فُلانة تُذْكَرُ من كثرة صلاتها وصدقتها وصيامها غير أنها تُؤذي جيرانها بلسانها قال “هي في النار” رواه احمد والبزَّار وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه، وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال “قال الله عزَّ وجل: إنما أتقبَّل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي، ولم يستطل على خلقي، ولم يبت مُصِّرًا على معصيتي، وقطع النهار في ذكري ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة، ورحم المصاب ذلك نوره كنور الشمس، أكلؤه بعزتي وأستحفظه ملائكتي، وأجعل له في الظُّلمة نورًا، وفي الجهالة حِلمًا، ومثله في خلقي مثل الفردوس في الجنة”.
رواه البزار من رواية عبد الله بن واقد الحراني وبقية رواته ثقات.
وفي الصلاة مع الجماعة تطبيق عملي للديمقراطية السلوكية، بما فيها من مساواة وتعويد لطاعة الرؤساء وتمرين على النظام بربط حركات المأمومين بحركات الإمام وبتسوية الصفوف وسَدِّ الفرج بين المُصلين، وفيها دعوة عملية للاتحاد والتعاون، وفرصة للتجمع والتعارف وما ينشأ عن ذلك من تبادل الآراء والمنافع وحل المشكلات وتقوية رابطة الألفة والمحبة بين الناس.
هذا، ولن تُثْمِر الصلاة ثمرتها المطلوبة وتُفرغه مما سوى الصلاة، وعلى تفهُّم ما يقول المصلِّي ويفعله، وعلى استشعاره لعظمة الله وهيبته مع رجاء ثوابه وخشية عقابه ومع حياء يَشْعُر معه بالقصور عن أداء ما يجب لله المعبود وحده بحق وصاحب النعم كلها (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (سورة الأعراف : 54) قال تعالى في مدح المؤمنين المُفلحين (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (سورة المؤمنون: 3) وفي نهيه عن الغفلة فيها بتعاطي أسبابها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) (سورة النساء : 43).
ولما كانت الصلاة بهذه المنزلة التربوية العظيمة كانت أهمَّ أركان الإسلام وأفضلها، يُشير إلى ذلك قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ “لا دينَ لِمَنْ لا صلاةَ له إنما موضع الصلاة من الدِّين موضع الرأس من الجسد” رواه الطبراني ومن هنا جاءت فارقًا بين المسلم والكافر، كما ورد في الحديث الصحيح “بين الرجل وبين الكُفْر تركُ الصَّلاة” رواه مسلم وأصحاب السنن بألفاظ متقاربة.
ولم يتسامح فيها الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ كما تسامح في غيرها من التكاليف لمن أراد الدخول في الإسلام فعندما جاء إليه وفد ثقيف اشترطوا عليه ألا يخرجوا للجهاد، ولا تُؤخذ منهم زكاة، ولا يجتمعوا للصلاة ولا يُولَّى عليهم أحد من غيرهم، فأجابهم إلى طلبهم مبدئيًا ما عدا الصلاة، حيث قال: “لكم ألا تُحشروا ـ للجهاد ـ ولا تُعشروا ـ بأخذ العشر للزكاة ـ ولا يستعلي عليكم غيركم لا خير في دين لا ركوع فيه” رواه أحمد. ولما كان للصلاة أثرها القوي في تثبيت الإيمان في القلوب وفي تقويم السلوك قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في شأن هؤلاء “إنهم سيصدقون ويجاهدون” كما جاء في رواية أبي داود أي أن الصلاة ستحملهم على عمل الخير الذي كانوا قد رَغِبُوا عنه.
بهذا العرض لحِكْمَة مشروعية الصلاة يتضح للمؤمن أنها لمصلحته هو، فالله غني عن عبادتنا وأن أية فائدة لا تأتي إلا ببذل جهد مهما كانت درجته، وبمقارنة الثمرات الطيبة التي تنجم عن الصلاة بما يتكلف الإنسان من جهد تنشط نفسه للمحافظة عليها وتأبى التقصير فيها. ويحس بأنها غُنْم لا غُرْم، فالجلسة في روضة مع الحبيب ليست كوقفة أمام مُحقق في تُهْمَة أو دفع غرامة.