السؤال:

جاء في البخاري عن عبد الله - رضي الله عنه - قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال : ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث الله ملكًا ، ويؤمر بأربع كلمات ، ويقال له : اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد ، ثم ينفخ فيه الروح ، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل النار ، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة ) . هذا الحديث مشكل من وجوه : أولاً - أنه ينافي صريح القرآن ، فإنه يفيد أن الأمور مكتوبة على وجه الجبر لا على ارتباط الأسباب بالمسببات ثانيًا - أن تحتيم الشقاوة يشبه أن يكون ظلمًا منه تعالى ، والله منزه عن الظلم كما جاء في القرآن. ثالثًا - أن هذا الحديث مؤيد لعقيدة أهل الجبر التي ما كانت تعرف في الصدر الأول. رابعًا - يتعارض مع حديث (كل مولود يولد على الفطرة) وذاك يفيد أن البعض يولد شقيًّا والبعض سعيدًا. أرجو أن تسعفوني بالدواء الناجح ؛ لما سببه لي هذا الحديث من الأمراض والشبهات .

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

فهذا الحديث لا يخالف ما في القرآن من إثبات الأسباب ، واختيار الإنسان ومطالبته بالعمل ، ولا يثبت عقيدة الجبر ، ولا يشير إلى اتصاف البارئ تبارك وتعالى بالظلم ؛ لأنه لا يفيد معنى التحتيم والجبر ، بل كل ما يفيده هو أن كل ما يعمله الإنسان ثابت في العلم الإلهي على ما يكون عليه في الواقع ، والواقع أن سعادة الإنسان أو شقاءه بعمله الاختياري .

يقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله-ردا على سؤال مماثل :

فليس في الكتابة الإلهية لما يكون عليه الإنسان في مستقبل أمره شيء من معنى الجبر والإكراه الذي تبادر إلى فهمكم ، وإنما هي عبارة عن ضبط الأمر الذي يجري بقدر ونظام ، ومثاله من أعمال البشر ( ولله المثل الأعلى ) سير القطارات الحديدية بنظامها المعروف ، وسير البريد في البر والبحر، يكتب لهذا وذاك نشرات يذكر فيها الأيام والساعات والدقائق التي يسير فيها البريد، والتي يصل فيها إلى بلد كذا وبلد كذا ، وليس في هذه الكتابة ما يجعل سير القطارات والمراكب وحركات عمالها خارجة عن نظام الأسباب والمسببات، في خواص النار والماء والبخار ، ولا ما ينافي اختيار العمال الذين يتولون الأعمال في هذه القطارات والمراكب ، ونقل البريد منها في أعمالهم .

إن الكتابة عبارة عن ضبط العلم بالشيء ، والعلم نفسه لا يتعلق بالأشياء تعلق إيجاد وتكوين ، وإنما يتعلق بها تعلق انكشاف وإحاطة ، فلا إجبار ولا تحتيم ، وإنما يكتب الشيء على ما يكون عليه ، ونحن نعرف بالضرورة من أنفسنا ؛ أن ما نحن عليه هو أننا مختارون في أعمالنا الصالحة وغير الصالحة ، وهي أسباب السعادة والشقاوة .

وكونها مكتوبة لا يمنع هذا ، كما أن كتابة سير القطارات والمراكب من أول الشهر مثلاً لا يقتضي أن يكون سيرها بغير الأسباب ، بل هو بالأسباب ، ومن العلماء من ينظم هذه الكتابة في سلك التمثيل بكون علم الله بالأشياء ثابتًا لا يتغير [ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى ]( طه : 52 ) .

ومن الفرق بين كتابة الناس والكتابة الإلهية ؛ أن الناس يعلمون بما أوتوا من العلم بالأسباب ؛ أن قوة البخار إذا كانت كذا ، فإن القطار أو المركب يسير في الساعة كذا ميلاً ، وأن المسافة بين مصر والإسكندرية كذا ميلاً ، وبين الإسكندرية والآستانة كذا ميلاً ، وأن السير يكون في ساعة كذا ، فيكون الوصول في ساعة كذا ، ولكنهم لا يعلمون ما عساه يطرأ من الأسباب التي تحول دون ذلك ، فيترتب عليها الإخلال بهذا النظام ، كما يقع ونشاهده ونسمع به ؛ من تعطل آلة أو حدوث رياح أو سيول تجرف بعض الخطوط الحديدية .

والله سبحانه يعلم جميع ما يطرأ على عبده مما يجري في سلسلة الأسباب الظاهرة للعبد ، والأسباب الخفية عنه ، ولا يخفى على الله شيء .

والمسألة التي ذكرت في آخر الحديث من أدق العلم بالله وسنته ؛ لأنها مخالفة بحسب الظاهر لسنة الله تعالى في كون المرء يموت على ما عاش عليه ؛ لأن الأعمال تؤثر بالتكرار في النفس ، فتطبعها على الحق والخير أو على ضدهما ، فكيف يمكن إذًا أن يعمل الإنسان بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيعمل بعمل أهل النار ، والعكس .

الجواب عن هذا لا يفهمه حق الفهم إلا خواص الخواص على دقائق المعاني ، ويمكن تقريبه إلى أذهان الجمهور بالمثال .

فمثل الذي يعمل بعمل أهل الجنة حتى يقرب بتزكية نفسه وتهذيبها منها ، فيترك العمل لها ، وينغمس في الباطل والشر الذي هو عمل أهل النار ؛ كمثل رجل ضعيف البنية مستعد للأمراض القاتلة ، جرى على قواعد حفظ الصحة في طعامه وشرابه وعمله ورياضته ، حتى لم يبق بينه وبين المتمتعين بكمال القوة والصحة إلا فرق قليل ، فاغتر بنفسه وأسرف في أمر صحته بالتعرض لمرض قاتل كالسل أو الطاعون فهلك .

ومثل الذي يعمل بعمل أهل النار من اقتحام الباطل واقتراف أعمال الشر ، حتى تكاد تحيط به خطيئته، وتصير الأباطيل والشرور ملكة حاكمة عليه ، فيترك كل ذلك فجأة وينقلب إلى ضده ؛ كمثل رجل قوي البنية كامل الصحة غرته قوته ، فأقبل على ما يفسد الصحة كشرب المسكرات والإسراف في الشهوات ، حتى إذا ساء هضمه وضعفت قواه وكاد يكون حرضًا أو يكون من الهالكين ، تنبه من غفلته وثاب إلى رشده ، فجرى على قوانين الصحة بغاية العناية والدقة ، فنجا مما كاد يبسله ويهلكه .

كل من هذا وذاك مما يقع قليلاً ، والأكثر أن من يطول عليه العهد في مزوالة الأعمال النافعة أو الضارة لا يعود عنها ، والأعمال البدنية كالأعمال الروحية وسنن الله تعالى فيهما متشابهة .

فتبين بهذا أن الحديث لا يخالف ما في القرآن من إثبات الأسباب ، واختيار الإنسان ومطالبته بالعمل ، ولا يثبت عقيدة الجبر ، ولا يشير إلى اتصاف البارئ تبارك وتعالى بالظلم ؛ لأنه لا يفيد معنى التحتيم والجبر ، بل كل ما يفيده هو أن كل ما يعمله الإنسان ثابت في العلم الإلهي على ما يكون عليه في الواقع ، والواقع أن سعادة الإنسان أو شقاءه بعمله الاختياري .

ولو علمت أنا أن الأمير يسافر في يوم كذا من القاهرة في ساعة كذا ، فيصل إلى الإسكندرية في وقت كذا ، ثم يسافر منها في ساعة كذا من يوم كذا إلى الآستانة ، فيصل إليها يوم كذا إلى آخر ما يمكن أن أقف عليه من حاشية الأمير مثلاً، لو علمت هذا وكتبته في دفتر عندي ، فهل يقتضي ذلك أن يكون ذلك السفر بإجبار مني ؛ لأنني علمت به ، وأن يكون الأمير غير مختار فيه ؟ لا لا ، فإن تعلُّق العلم والكتابة ليس تعلُّق إلزام ولا إيجاد .

ثم إن الحديث لا يناقض حديث : ( كل مولود يولد على الفطرة ) سواء كان المراد بالفطرة الخير أو الاستعداد المطلق ؛ لأنه إنما يدل على علم البارئ تعالى بما يطرأ على الفطرة السليمة من التربية الحسنة والقدوة الصالحة ، التي تسوقها إلى الارتقاء في الحق والخير ، فيكون صاحبها تام السعادة ، أو من التربية السيئة وقدوة الشر التي تفسدها وتجعل صاحبها شقيًّا .

فإذا بنت شركة عدة بيوت بناء حسنًا محكمًا مزينًا ، وقالت : إنني شددت كل بيت من هذه البيوت وأحكمت بناءه وزينته ، وكانت تعلم أن الذين يقيمون فيها فريقان : فريق يزيدون بيوتهم حسنًا وزينة ، وفريق يصدعون بناءها ويشوهون زينتها ، وقالت في مقام آخر: إن هذه البيوت سيكون بعضها حسنًا جميلاً وبعضها مشوهًا قبيحًا ، فهل يكون القولان متناقضين ؟ لا لا .

والله أعلم .


الوسوم: ,