السؤال:

ما مراد قوله صلى الله عليه وسلم "اختلاف أمتي رحمة"، وكيف نوفق بين ذلك وبين قوله تعالى : [ وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ] ( آل عمران : 105 )

الجواب:

فالاختلاف في فهم الأحكام مع عذر المخالف، بحيث لا يؤدي ذلك إلى التفرق في الدين والتعصب، فإن مثل هذا الاختلاف طبيعي في البشر لا يمكن انتفاؤه، ولا يكون حينئذ نقمة ولا ضارًّا، لكن إذا وجد التقليد والتشيع والتعصب للمذاهب حلت النقمة، وتفرقت الكلمة، وذهبت الريح والشوكة، وهذا هو الاختلاف المنهي عنه شرعا.

يقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله-ردا على سؤال مماثل:

حديث: (اختلاف أمتي رحمة)، قال الحافظ السخاوي: زعم كثير من الأئمة أنه لا أصل له لكن ذكره الخطابي في غريب الحديث مستطردًا، وأشعَرَ بأن له أصلاً عنده، ونقل تلميذه الديبع عن السيوطي أن نصر المقدسي ذكره في الحجة، والبيهقي في الرسالة الأشعرية بغير سند، وأن الحليمي والقاضي حسينًا وإمام الحرمين ذكروه في كتبهم.

وقال ابن حجر الهيتمي في الدرر المنتثرة: حديث “اختلاف أمتي رحمة” رواه الشيخ نصر المقدسي في كتاب الحجة مرفوعًا، والبيهقي في المدخل عن القاسم بن محمد، وعن عمر بن عبد العزيز قال: “ما سرني لو أن أصحاب محمد لم يختلفوا؛ لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة”، ( قلت ): هذا يدل على أن المراد اختلافهم في الأحكام، وقيل: المراد اختلافهم في الحرف والصنائع كذا ذكره جماعة.

وأما ما عزي إلى عمر بن عبد العزيز فهو لا حجة فيه صح عنه أو لم يصح، على أن الظاهر أنه يرد اختلافهم فيما لا بد من الخلاف فيه؛ لكونه طبيعيًّا وهو الخلاف في المشارب والعمل بالدين من الأخذ بالعزائم والرخص، فلو كانوا كلهم متشددين مبالغين في الزهد والنسك كأبي ذر، وفي العبادة وكبح الحظوظ والشهوات كعثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو، لوقعت هذه الأمة في الغلو والحرج الذي وقع فيه بعض الأحبار والرهبان من أهل الكتاب من قبل، ولو كانوا كلهم كمعاوية وعمرو بن العاص في حب النعيم والزينة والرياسة، لكان ذلك فتنة لمن بعدهم في الدنيا، يسرعون بها إلى ترك الدين، أو يجعلونه ماديًّا محضًا؛ لأن القدوة أشد تأثيرًا في نفوس البشر من التعاليم القوية.

واستكبر بعض العلماء أن يجعل الاختلاف في الدين أو في الإمارة والسلطان رحمة، وقد ثبت بالشرع والعقل والتجربة أنه نقمة لا تزيد عليها نقمة؛ ولذلك قالوا إن المراد بالحديث – أي على فرض صحته – الاختلاف في الحرف والصناعات، ولهم أن يستكبروا ذلك، فإن القرآن ما شدد في شيء كما شدد في الشرك وفي الاختلاف والتفرق، والآيات في هذا كثيرة.

كان أهون الاختلاف اختلاف الصحابة وغيرهم من السلف في فهم الأحكام، مع عذر كل منهم لمخالفه، بحيث لم يكونوا شيعًا تتفرق في الدين، وتتعصب كل شيعة منها لبعض المختلفين، فإن مثل هذا الاختلاف طبيعي في البشر لا يمكن إنفاؤه كما بيناه في التفسير، وهو من أولئك الأخيار لم يكن نقمة ولا ضارًّا، ولا يظهر أيضًا كونه رحمة يمن الشارع بها على الناس، ولكن لما جاء دور التقليد والتشيع والتعصب للمذاهب حلت النقمة، وتفرقت الكلمة، وذهبت الريح والشوكة إلى أن وصلنا إلى هذه الدرجة من الضعف: ذهب ملكنا، وصارت المملكة الكبيرة من ممالكنا تقع في قبضة الأجانب، فلا يبالي بهم سائر المسلمين، فأين الوحدة والأخوة والتواد والتراحم وتمثيل مجموعهم بالجسد الواحد ؟؟ كل ذلك قد زال، وكان مبدأ زواله ذلك الاختلاف.