السؤال:

: هل صحيح أن الأنبياء أحياء في قبورهم، وكيف نُوفق بين حياتهم فيهما وقوله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)؟

الجواب:

معلوم أن كل كائن حَيٍّ لابد أن يموت، قال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) (سورة آل عمران : 185) وقال تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) (سورة الرحمن : 26) وقال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ) (سورة الأنبياء : 34) وقال تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) (سورة الزمر : 30).

وبعد موت الإنسان ستكون هناك حياة له من نوع آخر، فإذا فَنِيَ الجسد وصار ترابًا فالروح باقية ، ولها اتصال إلى حد ما بالجسد تختلف درجات هذا الاتصال من شخص لآخر، وقد قال الله سبحانه في الشهداء (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران : 169).

وبخصوص الأنبياء روى أبو داود والبيهقي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : “مِنْ أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا عَلَىَّ من الصلاة فيه، وإن صلاتكم تُعْرَضُ على” قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أَرَمْتَ ـ بفتح الراء ـ يعني بَلَيْتَ؟ فقال: “إن الله حَرَّمَ على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء” وروى أبو داود أيضًا حديث “ما مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلا رَدَّ الله على روحي حتى أرد عليه السلام ” وروى أحمد والنسائي والحاكم وصححه وغيرهم حديث “إن لله ملائكة سَيَّاحِينَ في الأرض يُبْلغوني عن أمتي السلام”. يقول السيوطي في كتاته “إنباء الأذكياء بحياة الأنبياء”: حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قبره وحياة سائر الأنبياء معلومة عندنا علمًا قطعيًا، لكثرة الأدلة وتواتر الأخبار، وقد أَلَّفَ البيهقي جزءًا في حياتهم، ومن الأخبار ما رواه مسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليلةَ أُسْرِىَ به مَرَّ على موسى وهو قائم يصلي في قبره، وصَحَّ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس وفي السماء.

جاء في وصف موسى عندما مَرَّ به”فإذا هو رجلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كأنه رجل من شَنُوءَةَ” ومعنى ضرْب متوسط الحجم أو ضعيف اللحم، ومعنى جعْد شعره غير سَبْطٍ، وشنوءة قوم من الزطِّ سُمُرُ اللون وهذا يؤكد رؤيته البصرية.

وجاء في هذا الحديث أيضًا “وإذا عيسى ابن مريم قائم يصلي أقرب الناس به شَبَهًا عُرْوَةُ بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم…” فهل رآهما في قبريهما كما رأى موسى في قبره، أو رآهم يصلون في المسجد الأقصى حيث جاء في الحديث: فحانت الصلاة فَأَمَمْتُهُمْ.
بعد الأخبار المذكورة وبعد كلام السيوطي في تواتر الأخبار وكثرة الأدلة على حياة الأنبياء في قبورهم يمكننا أن نطئمن إلى ذلك ولا نُكَذِّ بَ، بالإضافة إلى أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أفضل من الشهداء، وقد قال الله فيهم (وَلاتَحْسَبَنَّ الذينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (سورة آل عمران : 169) ولا يقال: قد يكون في المفضول ما ليس في الفاضل لأن محل ذلك ما لم يَرِدْ نَصٌّ، وقد وَرَدَ.

وحياتهم في القبور مُخْتَلَفٌ في كيفيتها، وجمهور المسلمين على أنها حياة حقيقية لا مجازية، وقد وَضَّحَ الفخر الرازي ذلك في تفسيره لهذه الآية.
وأما قوله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) (سورة الزمر : 30) فمعناه أن روحك سَتُفارقُ بَدَنَكَ وتدخل في عالم آخر كسائر الناس، قال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فهم الْخَالِدُونَ . كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) (سورة الأنبياء : 34،35).

وحديث رَدِّ رُوح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لِيُجِيبَ مَنْ يُسَلِّمُ عليه إن كان ظاهره يفيد أن روحه الشريفة تفارق جسده الشريف فقد أجاب على ذلك العلماء بأجوبة أوصلها السيوطي إلى سبعةٍ وعشرين درجة، أحسنها أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ يكون مُستغرقًا بمشاهدة حَضْرَةِ القُدُسِ فَيَفْنَى عن إحساسه الشريف، فإذا سَلَّمَ المسلم عليه تَرُدُّ روحه من هذا الاستغراق إلى الإحساس لأجل الرد، كما نرى في الدنيا من يكون مشغول البال قد لا يحس بمن يتكلم بجواره (المنحة الوهبية ص 6) هذا، وعدم أكل الأرض أجساد الأنبياء ثابت بالحديث السابق، وهو حديث صحيح عند كثير من العلماء كابن خزيمة وابن حبان والحاكم وأَقَرَّهُ الذهبي كما صححه النووي في كتابه “الأذكار”. والعقائد وأخبار الغيب تؤخذ من الأدلة في الثبوت والدلالة والخلاف موجود في كفاية حديث الآحاد في ذلك، وما دام الأمر داخلاً في ذات الله سبحانه، مع اختلاف قوانين عالم الغيب والشهادة، ومع عدم مصادمة ذلك لأمر مقطوع به فالقلب يطمئن إلى قبوله.

 


الوسوم: , ,