السؤال:

هل يجب على المصلين استقبال عين القبلة؟ أم استقبال جهتها؟ وإذا كان الأول فسيؤدي ذلك للمشقة في تحديد القبلة من حيث الأبعد عن بيت الله العظيم، مع أن الشريعة قائمة على التيسير ورفع الحرج؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

فعلى المصلى أن يجتهد في تعرف جهة الكعبة، بالشمس والكواكب والرياح والجبال ويعمل باجتهاده ، ومن كان على علم بجغرافيا البلدان، أو البوصلة فيلزمه استقبال عين القبلة، ويجب عليه بقدر ما يعرف، ومن لم يستطع فيجوز له استقبال جهة الكعبة لا عينها .

يقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله-ردا على سؤال مماثل :

قد اضطرب كلام أصحابنا الشافعية في مسألة القبلة ، وما كان ينبغي لهم ذلك ، فالحق واضح فيها ، وكلام الشافعي نفسه صريح جدًّا .

من كان في الحرم يرى الكعبة يستقبلها قطعًا، ولا تصح صلاته إذا خرج عن محاذاتها، ومن كان بعيدًا عنها لا يراها، فإنه يستقبل الجهة التي هي فيها ويتعرفها بالاجتهاد، فمن علم أن الكعبة في هذه الجهة، لم يكن له أن يتحول عنها، فإن كان عنده من وسائل الاجتهاد ما يعلم به أن البيت يحاذي خطًّا معينًا لم يكن له أن يتعداه، وإلا جاز له التيامن والتياسر في الجهة كما يؤخذ من حديث الصحيحين: (شرّقوا أو غرّبوا) وما يؤيده، والعمدة أن يعتقد أنه متوجه تلقاء البيت بما عنده من أسباب الاجتهاد، لا يكلف غير هذا؛ لأن غير هذا لا يستطاع ولا يدخل في الوسع .

فسّر الشافعي في رسالته شطر المسجد الحرام بتلقائه ، ثم قال ما نصه : فالعلم يحيط أن من توجه تلقاء المسجد الحرام ممن نأت داره عنه على صواب بالاجتهاد؛ لأنه توجه إلى البيت بالدلائل عليه ؛ لأن الذي كلف العباد: التوجه إليه، وهو لا يدري أصاب بتوجهه قصد المسجد الحرام أو أخطأ ، وقد يرى دلائل يعرفها فيتوجه بقدر ما يعرف ، ويعرف غيره دلائل فيتوجه بقدر ما يعرف وإن اختلف توجههما .ا هـ .

وتلقاء الشيء : تجاهه ونحوه كما ذكر في مادة ( وجه ) من لسان العرب ، والاتجاه : الجهة التي تستقبلها بوجهك ، ومنه قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام : [ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ ]( القصص : 22 ) أي سار في الجهة الموصلة إليها ونحا نحوها .

وقال كما رواه عنه المزني في مختصره ما نصه : ( ولا يجوز لأحد صلاة فريضة ولا نافلة ولا سجود قرآن ولا جنازة إلا متوجهًا إلى البيت الحرام ، ما كان يقدر على رؤيته إلا في حالتين ، وذكر صلاة النافلة على الراحلة ، وصلاة شدة الخوف رجالاً أو ركبانًا ، ثم قال : فلا يصلي في غير الحالتين إلا إلى البيت إن كان معاينًا فبالصواب ، وإن كان غائبًا فبالاجتهاد بالدلائل على صواب جهة القبلة ) . ا هـ .

وكلامه في كتاب الأم على طوله ، لا يخرج عن هذا المعنى الذي اختصره المزني عنه ، وقد صرح فيه بلفظ الجهة تصريحاً .

وذكر الشيرازي في التنبيه قولين في البعيد ، لم يرجح واحدًا منهما على الآخر ، فقال : ( والفرض في القبلة إصابة العين ، فمن قرب منها لزمه ذلك بيقين ، ومن بعد منها لزمه الظن في أحد القولين ، وفي القول الآخر لمن بعد الجهة ) .ا هـ .

أقول : لم أر في كلام الشافعي قولين في المسألة ، وعندي أن ما صرّحوا فيه عنه بلفظ الجهة ، وما لم يصرحوا فيه به واحد ، والمراد أن يعرف سمت الكعبة بالاجتهاد ، فمتى عرفها واستقبلها كان معتقدًا أنه متوجه تلقاء الكعبة في الجملة ، وأنه مول وجهه شطرها ؛ لأن الذي يعرف جمهور المكلفين بالاجتهاد في حالة البعد هو الجهة ، وكلما بعد الإنسان عن الشيء الذي يستقبله ، تتفرج المسافة التي بينه وبينه وتتسع .

ولو كان في المسألة قولان مختلفان لكان الفرق بينهما في العمل أن من علم أن الكعبة في جهة الشمال ، كان له على القول الثاني أن يتوجه في صلاته إلى القطب الشمالي ، وأن ينحرف عنه يمينًا أو يساراً ، وإن علم بالدلائل أنه لو خرج خط مستقيم منه إلى الكعبة لأصابها في حال استقباله ، ولو خرج من حيث توجه منحرفًا عنه لم يصبها..وهذا هو الذي يترتب على عبارة التنبيه دون عبارة مختصر المزني .

ولذلك اضطربت أقوال المتأخرين من الشافعية والحكم واضح كما قلنا ، فإن جماهير المكلفين لا يعرفون في حالة البعد بالاجتهاد إلا الجهة التي فيها الكعبة ، وذلك كاف عند الشافعي ، ولا يفهم من كلامه غيره ، وهو لا ينافي أن الواجب على من كان عنده علم خاص بتحديد نقطة معينة من الجهة أن يعمل بعلمه ، ولا يجوز له التيامن والتياسر ، إذا اعتقد أنه يخرج به عن محاذاة الكعبة ، وهذا التفصيل يؤخذ من تصريح الشافعي بأن على كل مجتهد في القبلة أن يتوجه بقدر ما يعرف ، ولا حرج في هذا ولا مشقة على أحد .

فعلم من هذا أن المعتمد أن للشافعي قولاً واحدًا في المسألة ، وهو ظاهر الكتاب والسنة ومقتضى القياس ، والذي عليه عمل الناس ، وتلك الفلسفة التي اضطرب فيها المتأخرون إنما أخذها بعضهم من عبارة بعض ، ولا يحتاج من يقول بالجهة في موافقة الشافعي – رحمه الله تعالى – إلى الإفتاء بالقول المرجوح، فالعمل الذي يوافق مذهب الشافعي هو أن يجتهد المصلي في تعرف جهة الكعبة بالشمس والكواكب والرياح والجبال ويعمل باجتهاده ، ومن كان على علم بتقويم البلدان ( الجغرافية ) ، وكان معه بيت الإبرة(البوصلة) ، فإن علمه بسمت القبلة يكون أقوى مما يصل إليه المجتهد بالعلامات التي ذكروها ، فيجب عليه بقدر ما يعرف ، ويعتمد في بناء المسجد علم أوسع أهل البلد علمًا بذلك .

والله أعلم .


الوسوم: ,