السؤال:

هل لصلاة الجمعة سنة قبلية ؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :-

 

لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي قبل الجمعة سنة راتبه لا هو ولا أحد من أصحابه ، لأن الأذان كان يقام وهو على المنبر ، فلما زاد سيدنا عثمان الأذان الثالث ، جاءت الفرصة لصلاة النافلة ، والراجح أنه لا يوجد للجمعة سنة قبلية ، لكن الصلاة في هذا الوقت ليست ممنوعة بل مشروعة ، وموافقة عادة أهل المسجد في هذا أولى ، ومن كان مطاعا في مسجده معروفا بالعلم مسموعا له فالأولى أن لا يصليها حتى يعرف الناس أنها ليست من السنة، و أما السنة البعدية فقد صح أن النبي كان يصلي بعد الجمعة ركعتين .

 

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية :-

أما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يكن يصلي قبل الجمعة بعد الأذان شيئا ، ولا نقل هذا عنه أحد فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يؤذن على عهده إلا إذا قعد على المنبر ويؤذن بلال ثم يخطب النبي صلى الله عليه وسلم الخطبتين ثم يقيم بلال فيصلي النبي صلى الله عليه وسلم بالناس فما كان يمكن أن يصلي بعد الأذان لا هو ولا أحد من المسلمين الذين يصلون معه صلى الله عليه وسلم ولا نقل عنه أحد أنه صلى في بيته قبل الخروج يوم الجمعة ولا وقت بقوله  صلاة  مقدرة قبل الجمعة .

 بل ألفاظه صلى الله عليه وسلم فيها الترغيب في الصلاة إذا قدم الرجل المسجد يوم الجمعة من غير توقيت . كقوله : ” من بكر وابتكر ومشى ولم يركب وصلى ما كتب له ” .

 وهذا هو المأثور عن الصحابة كانوا إذا أتوا المسجد يوم الجمعة يصلون من حين يدخلون ما تيسر فمنهم من يصلي عشر ركعات ومنهم من يصلي اثنتي عشرة ركعة ومنهم من يصلي ثمان ركعات ومنهم من يصلي أقل من ذلك .

 ولهذا كان جماهير الأئمة متفقين على أنه ليس قبل الجمعة سنة مؤقتة بوقت مقدرة بعدد لأن ذلك إنما يثبت بقول النبي صلى الله عليه وسلم أو فعله .

 وهو لم يسن في ذلك شيئا لا بقوله ولا فعله وهذا مذهب مالك ومذهب الشافعي وأكثر أصحابه وهو المشهور في مذهب أحمد . وذهب طائفة من العلماء إلى أن قبلها سنة فمنهم من جعلها ركعتين كما قاله طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد . ومنهم من جعلها أربعا كما نقل عن أصحاب أبي حنيفة وطائفة من أصحاب أحمد وقد نقل عن الإمام أحمد ما استدل به على ذلك .

 وهؤلاء منهم من يحتج بحديث ضعيف ومنهم من يقول : هي  ظهر مقصورة وتكون سنة الظهر سنتها وهذا خطأ من وجهين .

 

 ( أحدهما أن الجمعة مخصوصة بأحكام تفارق بها ظهر كل يوم باتفاق المسلمين وإن سميت ظهرا مقصورة فإن الجمعة يشترط لها الوقت فلا تقضى والظهر تقضى والجمعة يشترط لها العدد والاستيطان وإذن الإمام وغير ذلك والظهر لا يشترط لها شيء من ذلك فلا يجوز أن تتلقى أحكام الجمعة من أحكام الظهر مع اختصاص الجمعة بأحكام تفارق بها الظهر فإنه إذا كانت الجمعة تشارك الظهر في حكم وتفارقها في حكم لم يمكن إلحاق مورد النزاع بأحدهما إلا بدليل فليس جعل السنة من موارد الاشتراك بأولى من جعلها من موارد الافتراق .

 

 ( الوجه الثاني أن يقال : هب أنها ظهر مقصورة فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي في سفره سنة الظهر المقصورة لا قبلها ولا بعدها وإنما كان يصليها إذا أتم الظهر فصلى أربعا فإذا كانت سنته التي فعلها في الظهر المقصورة خلاف التامة كان ما ذكروه حجة عليهم لا لهم وكان السبب المقتضي لحذف بعض الفريضة أولى بحذف السنة الراتبة كما قال بعض الصحابة : لو كنت متطوعا لأتممت الفريضة .

 فإنه لو استحب للمسافر أن يصلي أربعا لكانت صلاته للظهر أربعا أولى من أن يصلي ركعتين فرضا وركعتين سنة .  وهذا لأنه قد ثبت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المتواترة أنه كان لا يصلي في السفر إلا ركعتين : الظهر والعصر والعشاء .

 وكذلك لما حج بالناس عام حجة الوداع لم يصل بهم بمنى وغيرها إلا ركعتين . وكذلك أبو بكر بعده لم يصل إلا ركعتين . وكذلك عمر بعده لم يصل إلا ركعتين . ومن نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الظهر أو العصر أو العشاء في السفر أربعا فقد أخطأ .

 

 

 فثبت بهذا الاعتبار الصحيح أن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أكمل الأمور وأن هديه خير الهدي وأن المسافر إذا اقتصر على ركعتي الفرض كان أفضل له من أن يقرن بهما ركعتي السنة .

 

وبهذا يظهر أن الجمعة إذا كانت ظهرا مقصورة لم يكن من السنة أن يقرن بها سنة ظهر المقيم بل تجعل كظهر المسافر المقصورة .

 

 والصواب أن يقال : ليس قبل الجمعة سنة راتبة مقدرة ولو كان الأذانان على عهده فإنه قد ثبت عنه في الصحيح أنه قال : { بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة . ثم قال في الثالثة : لمن شاء } كراهية أن يتخذها الناس سنة . فهذا الحديث الصحيح يدل على أن الصلاة مشروعة قبل العصر وقبل العشاء الآخرة وقبل المغرب وأن ذلك ليس بسنة راتبة . وكذلك قد ثبت أن أصحابه كانوا يصلون بين أذاني المغرب وهو يراهم فلا ينهاهم ولا يأمرهم ولا يفعل هو ذلك . فدل على أن ذلك فعل جائز .

 

 وقد احتج بعض الناس على الصلاة قبل الجمعة بقوله : { بين كل أذانين صلاة } ” . وعارضه غيره فقال : الأذان الذي على المنابر لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن عثمان أمر به لما كثر الناس على عهده ولم يكن يبلغهم الأذان حين خروجه وقعوده على المنبر . ويتوجه أن يقال هذا الأذان لما سنه عثمان  واتفق المسلمون عليه صار أذانا شرعيا وحينئذ فتكون الصلاة بينه وبين الأذان الثاني جائزة حسنة وليست سنة راتبة كالصلاة قبل صلاة المغرب .

 

 وحينئذ فمن فعل ذلك لم ينكر عليه ومن ترك ذلك لم ينكر عليه . وهذا أعدل الأقوال وكلام الإمام أحمد يدل عليه . وحينئذ فقد يكون تركها أفضل إذا كان الجهال يظنون أن هذه سنة راتبة أو أنها واجبة فتترك حتى يعرف الناس أنها ليست سنة راتبة . ولا واجبة .

 

 وإن كان الرجل مع قوم يصلونها فإن كان مطاعا إذا تركها – وبين لهم السنة – لم ينكروا عليه بل عرفوا السنة فتركها حسن وإن لم يكن مطاعا ورأى أن في صلاتها تأليفا لقلوبهم إلى ما هو أنفع أو دفعا للخصام والشر لعدم التمكن من بيان الحق لهم وقبولهم له  ونحو ذلك فهذا أيضا حسن .

 

وأما عن السنة البعدية فقال :-

 

وأما السنة بعد الجمعة فقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين } كما ثبت عنه في الصحيحين { أنه كان يصلي قبل الفجر ركعتين : وبعد الظهر ركعتين وبعد المغرب ركعتين وبعد العشاء ركعتين } . وأما الظهر ففي حديث ابن عمر { : أنه كان يصلي قبلها ركعتين } وفي الصحيحين عن عائشة : ” { أنه كان يصلي قبلها أربعا . } وفي الصحيح عن أم حبيبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة تطوعا غير فريضة بنى الله له بيتا في الجنة } ” . وجاء مفسرا في السنن : { أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الفجر } . فهذه هي السنن الراتبة التي ثبتت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله . مدارها على هذه الأحاديث الثلاثة : حديث ابن عمر وعائشة وأم حبيبة .

 

 

 وقد ثبت عنه أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين وفي صحيح مسلم عنه أنه قال : { من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل بعدها أربعا}.

وقد روى أصحاب السنن عن طائفة من الصحابة الجمع بين الركعتين والأربع ركعات.

والسنة أن يفصل بين الفرض والنفل في الجمعة وغيرها . كما ثبت عنه في الصحيح { أنه صلى الله عليه وسلم نهى أن توصل صلاة بصلاة حتى يفصل بينهما بقيام أو كلام } فلا يفعل ما يفعله كثير من الناس . يصل السلام بركعتي السنة فإن هذا ركوب لنهي النبي صلى الله عليه وسلم .

 

والله أعلم .

 

حرر هذه الفتوى حامد العطار عضو لجنة تحرير الفتوى بالموقع.

 


الوسوم: , ,