السؤال:

إلى متي يجوز الجمع والقصر؟

الجواب:

بسم الله،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:-

الصحيح أنه لا يشترط مسافة معينة للسفر حتى يحق للمسافر القصر ، فكل ما أسماه الناس سفرا جاز فيه القصر، وأما الجمع  فالراجح أنه لا يكون إلا عند الحاجة ، والقصر في السفر سنة أفضل من الإتمام .

ولكن إلى متى يحق للمسافر أن يقصر؟ أيسر المذاهب المتبوعة في ذلك هو مذهب الإمام أبي حنيفة الذي يرى جواز القصر إذا كان المسافر نوى أن يمكث في سفره خمسة عشر يوما فأقل، فإذا نوى الزيادة على ذلك فلا يجوز له القصر؛ لأنه يكون في حكم المقيم، وليس معناه أنه يقصر خمسة عشر يوما، وما زاد على ذلك فلا يقصر، بل معناه أن من نوى المكث أكثر من خمسة عشر يوما فلا يحق له القصر ولا يوما واحدا.

ولكن الإمام ابن القيم فند هذه الآراء، ورأى أنه يجوز للمسافر أن يقصر طالما أنه مسافر مهما كانت مدة سفره ما لم يتخذ من سفره موطنا، وهذا الرأي أقوى دليلا.

ولكن إذا كان هذا سيترتب عليه ترك المسجد، والصلاة في البيت، والانقطاع عن أماكن العبادة فلا ينبغي.

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن تحديد مسافة السفر :-

 

علق الله ورسوله القصر والفطر بمسمى السفر ولم يحده بمسافة ، ولا فرق بين طويل وقصير ، ولو كان للسفر مسافة محدودة لبينه الله ورسوله ، ولا له في اللغة مسافة محدودة ، فكل ما يسميه أهل اللغة سفرا فإنه يجوز فيه القصر والفطر كما دل عليه الكتاب والسنة.

وقد قصر أهل مكة مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى عرفات وهي من مكة بريد فعلم أن التحديد بيوم أو يومين أو ثلاثة ليس حدا شرعيا عاما .

وما نقل في ذلك عن الصحابة قد يكون خاصا : كان في بعض الأمور لا يكون السفر إلا كذلك ولهذا اختلفت الرواية عن كل منهم كابن عمر وابن عباس وغيرهما فعلم أنهم لم يجعلوا للمسافر .

ولا الزمان حدا شرعيا عاما كمواقيت الصوم والصلاة بل حدوه لبعض الناس بحسب ما رأوه سفرا لمثله في تلك الحال وكما يحد إلحاد الغني والفقير في بعض الصور بحسب ما يراه . لا لأن الشرع جعل للغني والفقير مقدارا من المال يستوي فيه الناس كلهم بل قد يستغني الرجل بالقليل وغيره لا يغنيه أضعافه : لكثرة عياله وحاجاته وبالعكس .

وبعض الناس قد يقطع المسافة العظيمة ولا يكون مسافرا كالبريد إذا ذهب من البلد لتبليغ رسالة أو أخذ حاجة ثم كر راجعا من غير نزول . فإن هذا لا يسمى مسافرا بخلاف ما إذا تزود زاد المسافر وبات هناك فإنه يسمى مسافرا وتلك المسافة يقطعها غيره فيكون مسافرا يحتاج أن يتزود لها ويبيت بتلك القرية ولا يرجع إلا بعد يوم أو يومين ; فهذا يسميه الناس مسافرا وذلك الذي ذهب إليها طردا وكر راجعا على عقبه لا يسمونه مسافرا والمسافة واحدة . فالسفر حال من أحوال السير لا يحد بمسافة ولا زمان وكان النبي صلى الله عليه وسلم يذهب إلى قباء كل سبت راكبا وماشيا ولم يكن مسافرا وكان الناس يأتون الجمعة من العوالي والعقيق ثم يدركهم الليل في أهلهم ولا يكونون مسافرين وأهل مكة لما خرجوا إلى منى وعرفة كانوا مسافرين يتزودون لذلك ويبيتون خارج البلد ويتأهبون أهبة السفر بخلاف من خرج لصلاة الجمعة أو غيرها من الحاجات ثم رجع من يومه ولو قطع بريدا ; فقد لا يسمى مسافرا . انتهى.

 

ويقول الشيخ سيد سابق- صاحب كتاب فقه السنة:-

 

المسافر يقصر الصلاة مادام مسافراً فإن أقام لحاجة ينتظر قضاءها قصر الصلاة كذلك لأنه يعتبر مسافراً وإن أقام سنين.

 فإن نوى الإقامة مدة معينة فالذي اختاره ابن القيم أن الإقامة لا تخرج عن حكم السفر سواء طالت أم قصرت ما لم يستوطن المكان الذي أقام فيه . وللعلماء في ذلك آراء كثيرة لخصها ابن القيم وانتصر لرأيه فقال :

 ” أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة ولم يقل للأمة لا يقصر الرجل الصلاة إذا أقام أكثر من ذلك ، ولكن اتفق إقامته هذه المرة ” . وهذه الإقامة فى حال السفر لا تخرج عن حكم السفر سواء طالت أم قصرت إذا كان غير مستوطن ولا عازم على الإقامة بذلك الموضع.

 وقد اختلف السلف والخلف في ذلك اختلافاً كثيراً . ففي صحيح البخاري عن ابن عباس قال : ” أقام النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره تسع عشرة يصلي ركعتين فنحن إذا أقمنا تسع عشرة نصلي ركعتين وإن زدنا على ذلك أتممنا ” . وظاهر كلام أحمد أن ابن عباس أراد مدة مقامه بمكة زمن الفتح فإنه قال : ” أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثماني عشرة يوماً من الفتح لأنه أراد حنيناً ولم يكن ثم أجمع المقام : وهذه إقامته التي رواها ابن عباس .

 وقال غيره بل أراد ابن عباس مقامه بتبوك كما قال جابر بن عبد الله : ” أقام النبي صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة ” رواه الإمام أحمد في مسنده وقال المسور بن مخرمة : ” أقمنا مع سعد ببعض قرى الشام أربعين ليلة يقصرها سعد ونتمها ” وقال نافع : “أقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين وقد حال الثلج بينه وبين الدخول ” وقال حفص بن عبيد الله : ” أقام أنس بن مالك بالشام سنتين يصلي صلاة المسافر ” . وقال أنس : “أقام أصحاب النبي صلى الله عليه سلم برام هرمز سبعة أشهر يقصرون الصلاة ” . وقال الحسن : ” أقمت مع عبد الرحمن بن سمرة بكابل سنتين يقصر الصلاة ولا يجمع ” . وقال إبراهيم : ” كانوا يقيمون بالري السنة وأكثر من ذلك وسجستان السنتين ” فهذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما ترى وهو الصواب .

وأما مذهب الناس فقال الإمام أحمد إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم وإن نوى دونها قصر . وحمل هذه الآثار على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يجمعوا ( يجمعوا : يقصدوا ) الإقامة البتة بل كانوا يقولون : اليوم نخرج غداً نخرج . وفي هذا نظر لا يخفى فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وهى ما هى وأقام فيها يؤسس قواعد الإسلام ويهدم قواعد الشرك ويمهد أمر ما حولها من العرب ، ومعلوم قطعاً أن هذا يحتاج إلى إقامة أيام ولا يتأتى في يوم واحد ولا يومين ، وكذلك إقامته بتبوك فإنه أقام ينتظر العدو ، ومن المعلوم قطعاً أنه كان بينه وبينهم عدة مراحل يحتاج إلى أيام وهو يعلم أنهم لا يوافقون في أربعة أيام . وكذلك إقامة بن عمر بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة من أجل الثلج . ومن المعلوم أن مثل هذا الثلج لا يتحلل ويذوب في أربعة أيام بحيث تفتح الطرق. وكذلك إقامة أنس بالشام سنتين يقصر ، وإقامة الصحابة برام هرمز سبعة أشهر يقصرون .

 ومن المعلوم أن مثل هذا الحصار والجهاد لا ينقضي في أربعة أيام . وقد قال أصحاب أحمد : إنه لو أقام لجهاد عدو أو حبس سلطان أو مرض قصر سواء غلب على ظنه انقضاء الحاجة في مدة يسيرة أو طويلة . وهذا هو الصواب ، لكن شرطوا فيه شرطاً لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا عمل الصحابة . فقالوا شرط ذلك احتمال انقضاء حاجته في المدة التي لا تقطع حكم السفر وهي ما دون الأربعة أيام . فقال : من أين لكم هذا الشرط والنبى صلى الله عليه وسلم لما أقام زيادة على أربعة أيام يقصر الصلاة بمكة وبتبوك لم يقل لهم شيئاً ولم يبين لهم أنه لم يعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام وهو يعلم أنهم يقتدون به في صلاته ، ويتأسون به في قصرها في مدة إقامته فلم يقل لهم حرفاً واحداً لا تقصروا فوق إقامة أربع ليال وبيان هذا من أهم المهمات ، وكذلك اقتداء الصحابة به بعده ولم يقولوا لمن صلى معهم شيئاً من ذلك .

 

وقال مالك والشافعي إذا نوي إقامة أكثر من أربعة أيام أتم وإن نوي دونها قصر .

 وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : إن نوى إقامة خمسة عشر يوماً أتم وإن نوي دونها قصر . وهو مذهب الليث ابن سعد . وروي عن ثلاثة من الصحابة عمر وابنه وابن عباس . وقال سعيد بن المسيب : إذا أقمت أربعاً فصل أربعاً ، وعنه كقول أبي حنيفة رحمه الله . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : إن أقام عشراً أتم ، وهو رواية عن ابن عباس ، وقال الحسن: يقصر ما لم يقدم مصراً . وقالت عائشة : يقصر ما لم يضع الزاد والمزاد . والأئمة الأربعة رضوان الله عليهم متفقون على أنه إذا أقام لحاجة ينتظر قضاؤها يقول اليوم أخرج غداً أخرج فإنه يقصر أبداً إلا الشافعي في أحد قوليه فإنه يقصر عنده إلى سبعة عشر أو ثمانية عشر يوماً ولا يقصر بعدها . وقد قال ابن المنذر في إشرافه : أجمع أهل العلم أن للمسافر أن يقصر مالم يجمع إقامة وإن أتى عليه سنون .

 

 

والله أعلم .

 

حرر هذه الفتوى حامد العطار الباحث الشرعي بالموقع .