السؤال:

قرأنا في بعض المِجّلات بمناسبة كلام موسى مع النبيّ حين أخبره بأن الصلاة فُرضت عليه خمسين (إنّ موسى لم يكُنْ وَصِيًّا على الرسول حتّى يقول له ارجِع إلى ربِّك أكثر من مرّة، فهذا الحديث دَخيل إسرائيليٌّ يبيِّن أن منزلة موسى رَفيعة، وأنّه هو الذي وجّه نَبِيَّكم محمدًا ـ صلّى الله عليه وسلم ـ للتّخفيف عنكم) فما رأي الدّين في ذلك؟

الجواب:

حديث الإسراء والمعراج رواه البخاري ومسلم وغيرهما، وهو بهذا في أعلى درجات الصِّحّة، وجاء فيه أن الله عندما فرض على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الصّلاة خمسين أشار عليه سيّدنا موسى أن يسألَ ربّه التّخفيف، فخُفِّفت حتّى صارت خمسًا في العمل وخَمسين في الأجر.
ويَجب أن يُلاحَظ أن هذا الحديث في موضوع خارِق للعادة وفوق مُستوى العقل البشريّ، ويجب التصديق به وعدمُ تكذيبه، كما عليه أكثر العلماء من أن الخبر يُفيد العلم اليقيني إذا كان متواتِرًا، أو كان حديث آحاد ثبتتْ صحّته.
كما يُلاحظ أن الواجب هو تصديق الخَبر من هذا النوع بجُملتِه، وإن تُرِكَ ـ وهذا ما لا يجوز ـ يُترك كلّه، ولا يُصدَّق بعضه ويُرفَض بعضُه الآخر.
إن فرض الصّلاة ليلة الإسراء والمِعراج على هذا النحو لم يعارَض فيه أحد من شُرّاح الحديث، وما جَرُؤَ واحد منهم على أن يقول: إن تردُّد محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين ربِّه وموسى لسؤاله التخفيف ـ أمر دخيل على السُّنّة، وأنه من صنع اليهود ليُثبتوا به الوصاية لموسى على محمد ـ بل إنهم آمنوا به إيمانًا عميقًا جعلهم يَبنون على هذه الفقرة من الحديث قاعدة أصوليّة، وهي هل يجوز النّسخ قبل الفِعل أو لا يجوز؟
ثم لماذا يقال: إن هذه الفقرة تسلُّل إسرائيلي لصالح اليهود، ولا يقال إنها ترتيب إلهي يسجل صورة من تمرُّد اليهود على موسى من ضِمن صور التمُرُّد، التي حدثت منهم، وهذا ما يدل عليه قول موسى للرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ في الحديث “فإنِّي قد بلوتُ بني إسرائيل وخَبَرْتُهم” يقول الشُّرّاح : أي علمت منهم عدمَ الوفاء بذلك مع قوة أجسادِهم وطول أعمارهم فلم أجد لهم صَبرًا على ذلك فكيف حال أمّتك.
وقال القرطبي: الحكمة في تخصيص موسى بمراجعة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أمر الصلوات يَحتمل أن تكون لكونِ أمّة موسى ـ عليه السلام ـ كُلِّفَتْ من الصلوات ما لم يُكلَّف به غيرُها من الأمم قبلها فثقلُت عليهم، فأشفقَ موسى على أمة محمد من مثل ذلك، ويشير إليه قوله: إنِّي جرّبت الناس قبلَك . “الزرقاني على المواهب اللدنية ج 6 ص 123” . وهناك توضيحات كثيرة لهذه النقطة لم يجرِ فيها نقدٌ لها أو مجرّد شبهة أنّها دخيل إسرائيلي.
إن الأنبياء جميعًا إخوة من عَلات، أمّهاتهم شتّى ودينهم واحد كما ثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وليس بعيدًا أن يُشير أخ على أخيه بما يحقِّق له ولأمّتِه المصلحةَ، ثم ماذا يقول من يرفضون هذه القطعةَ من الحديث خوفًا أن يُظنَّ أن هناك وِصاية من موسى على محمد في تكريم محمد لموسى وعيسى ويونس وغيرهم من الأنبياء، وقد ثبت في الحديث الصحيح قوله: “وأنّا أولى الناسِ بعِيسى ابن مريم لأنّه ليس بيني وبينَه نَبِيٌّ” وقوله عن موسى: “لا تُخيِّروني على موسى فإنّ الناس يُصعَقون فأكون أول مَن يَفيق فإذا موسى باطِش بجانب العرش فلا أدري أكان فيمن صُعِقَ فأفاق قبلي أم كان ممّن استثنى الله” وقوله: “ما يَنبغِي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس” وماذا يقول في قول الله لنبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد ذكر الأنبياء في (سورة الأنعام : 90) (أُولَئِكَ الذِينَ هَدَى اللهُ فبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ) هل كانت لهم وصاية عليه ـ صلى الله عليه وسلم؟.
ليس هناك وجه صحيح أبدًا لرفض هذه المحادثة التي جرّت بين موسى ومحمد عليهما ـ الصلاة والسلام ـ ، إنْ وجدْنا فهمًا مُمكِنًا وقريبًا على وجه يُبعِد هذه الشُّبهة عن عَلاقة موسى بمحمد، وأخشى أن تتحكّم بعض الأفهام في النصوص الثابتة فترفُضُها لوجهة نظر قد غلَّبتْها ظروف قائمة، مع أن مخارِج الفَهم الصحيح لها كثيرة، ولولا أن القرآن الكريم قطعي الثبوت لقالَ بعض الناس في قوله تعالى: عن القرآن الكريم: (وإنّهُ لَتَنِزيلُ رَبِّ العَالَمِينَ . نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ . عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرينَ . بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ . وإنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأوّلين . أَوَلَمْ يَكُنْ لهم آيةٌ أن يَعْلَمَهُ عُلماءُ بَنِي إسْرائِيلَ) (سورة الشعراء : 192 ـ 197) كيف يُحيل الله التصديقَ بالقرآن أو بمحمد على علماء بَني إسرائيل، أليسَ في ذلك وصاية منهم على القرآن ومحمد؟ وكيف يجعل لهؤلاء سلطانًا وشهادة على ذلك في قوله تعالى: (ومَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (سورة النحل : 43) ومهما قيل في هؤلاء فإن المقصود بهم من آمنوا بالرسول والقرآن، فيكفي أن الله شهيد على صدق محمّد في رسالته ومعجزته، ولا حاجة لهؤلاء.
إن حديث الإسراء والمعراج حديث الغَرائب ، وهو صَحيح في جملته وتفصيله كما رواه البخاري ومسلم، ولم يجرّحه أحد من المُحدِّثين لا في متنِه ولا في سندِه، ولم يقُل أحدٌ من الشُّرّاح إن فيه تسلُّلاً إسرائيليًّا في مشهَد من مشاهِده، أو موقِف من مواقفه بل إن إعجابهم بهذا الموقف جعلهم يُكثرون من التعليق عليه بألوان شتَّى تؤكِّد صدقَه وحكمته المقصودة من ورائه ليفهمَها من يصعُب عليهم الفَهم بعد أربعة عشر قرنًا وُضع فيها هذا الحديث على بساط البحث أمام مئات وآلاف عباقرة الإسلام المتخصِّصين الغيورين، ولم يدرِ بخلد غيرهم ممّن يعجَزون عن إقامة الدليل الصحيح المقنِع على ما يدعون: (ومَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا) (سورة النجم : 28).
لئنْ كان هذا فَهمًا لغير مُسلم لَهانَ الأمر وقلنا “شِنْشِنَةٌ أَعرِفها مِنْ أَخْزَم” وجزء من حملة التشكيك في السُّنّة ذريعة للتشكيك في القُرآن، فكيف إذا كان هذا فَهمًا لمسلمٍ؟ لئن كان القصد سليمًا فإن ردَّ الفعل على عقول وأفْهام الكثيرين ردّ يُخشى منه على نظرة البُسطاء للسُّنّة وللدِّين بوجه عام: (قُلْ هَاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (سورة النمل : 64).