السؤال:

سمعنا بعض الآراء تقول: مَنْ تَرَكَ الصلاة عَمْدًا لا يجب عليه قضاؤها ، فهل هذا صحيح؟

الجواب:

يقول جمهور العلماء: إن الصلاة إذا خرج وقتها دون أن يؤديها المسلم المكلَّف وَجَبَ عليه أن يَقضيها، قال تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسِقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) (الإسراء: 78) يقول القرطبي: مقتضى ظاهر الآية أنه لو فعلها في غير وقتها تكون باطلة ولا ثواب عليها.
وإذا كانت باطلة فلا داعي لقضائها، مع أن فواتها معصية، ولولا حديث “مَنْ نام عن صلاةٍ أو نَسِيَهَا فَلْيُصلها إذا ذَكَرَهَا” لم يَنتفع أحد ٌبصلاة وقعتْ في غير وقتها، ومن هنا كان لابد من قضاء الصلاة في غير وقتها المحدود لها.
وخروج الصلاة عن وقتها قد يكون لعُذْرٍ أو لغير عذر، ومن العذر النوم والسهو فمن فَاتَتْهُ بِعُذْرٍ وَجَبَ عليه قضاؤها، فقد روي البخاري ومسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “مَنْ نَسِيَ صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك” وفي روايةٍ “إذا رَقَدَ أحدكم عن الصلاة أو غَفَلَ عنها فَلْيُصلها إذا ذكرها” فإن الله عز وجل يقول: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِى) (طه: 14).
وكذلك يجب قضاؤها؛ لأنها صارت دَيْنًا له، وقد رَوَى الشيخان أن رجلاً سأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أُمِّهِ التي ماتت وعليها صومُ شهرٍ هل يقضيه عنها؟ فقال له “نعم، فدين الله أَحَقُّ أنْ يُقضى” وفي رواية أن امرأة سألت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أمها التي نَذرتْ أن تَحُجَّ، فلم تحج حتى ماتت هل تحج عنها؟ فقال: “حُجِّي عنها، أرأيتِ لو كان على أمك دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتِهِ؟ اقضوا، فاللهُ أَحَقُّ بالقضاء”.
فالحديث الأول يُوجب القضاء على الناس بالنص، والحديث الثاني يدل على وُجوبه بعموم قضاء دَيْنِ الله. ويؤكد وجوب القضاء التعبير بالكفارة، كأن النسيان ذَنْبٌ فيه كفارة، مع أن القلم رُفِعَ عن الناسي.
أما مَنْ تَرَكَ الصلاة حتى خرج وقتها بدون عذر، فالقضاء واجب عليه أيضًا كما قال جمهور العلماء وحجتهم في ذلك ما يأتي:
1 ـ قول الله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاة) ولم يفرق بين أن تكون في وقتها أو بعده، وهذا أمرٌ يَقتضي الوجوب، في الوقت وغير الوقت.
3 ـ ثَبَتَ الأمر بالقضاء على النائم والناسي، مع أنهما غير آثمين، فالتارك لها عمدًا أَوْلَى بوجوب القضاء.
3 ـ الحديث يقول: “مَنْ نَامَ عن صلاةٍ أو نَسيها” وهو يدل على وجوب القضاء مطلقًا، لأن النسيان تَرْكٌ، وهو يَشمل الترك المعتمد وغير المتعمد بدليل قول الله تعالى: (نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ) (التوبة: 67) والله لا ينسى فمعناه أنه تركهم، وقوله: (فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ) (السجدة: 14) والمعنى إنا تركناكم، ومثله قوله تعالى: (مَا نَنْسَخُ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) ( البقرة: 106) فمعنى ننسها نتركها.
4ـ يقول الحديث “فَلْيصلها إذا ذكرها” وهو يشمل الذكْر بعد النسيان وبعد غيره، ومنه حديث “مَنْ ذَكَرَنِي في نفسه ذَكرتُهُ في نفسي” وهو سبحانه لا ينسى حتى يكون ذِكْرٌ بعد نسيان، بل المراد علمتُ، فمعنى ذِكْرِهَا عِلْمُهَا.
5 ـ أن دُيون الآدميين المرتبطة بوقت، ثم جاء الوقت لم يسقط قضاؤها بعد وجوبها، وهي مما تسقط بالإبراء، فديون الله لا يصح فيها الإبراء، وأَوْلَى ألا يَسقط قضاؤها إلا بإذن منه، ولا يوجد هذا الإذن.
6 ـ أن العلماء اتفقوا على أن الفِطْرَ في رمضان يوجب القضاء في غير رمضان، فكذلك الصلاة إذا لم تُؤَدَّ في وقتها وَجَبَ قضاؤها في وقت آخر.
هذا هو رأي الجمهور في وجوب قضاء الصلاة على مَنْ تركها متعمدًا، وقال أهل الظاهر وبعض علماء الشافعية بعدم وجوب القضاء عليه، تَمَسُّكًا بظاهر الحديث الذي شَرَطَ للقضاءِ النومَ أو النسيان، بل عليه أن يتوب توبة نصوحًا من معصيته بترك الصلاة، وذلك بالإقبال على أدائها والمحافظة عليها، قال تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) (طه: 82) .
وردوا على أدلة الجمهور، بما يأتي:
1 ـ لا يصح قياس المتعمد على الناسي، وذلك لوجود الفارق بينهما، فالناسي مأمور بالقضاء، والقضاء كفارة بمنطوق الحديث. مع أن الناسي لا إِثْمَ عليه لرفع القلم عنه، وكان مقتضى رفع الإثم عدم وجوب القضاء، لكن الحديث نَصَّ على وجوبه، فكان هذا حكمًا خاصًا بنسيان الصلاة، فلا يُقاس عليه التعمد لتركها، وذلك للزوم الإثم له، ولا فائدة من القضاء في رفع هذا الإثم، بل عليه التوبة.
2 ـ لو وجب القضاء على العامد لوجب أمر جديد له بالقضاء، ولا يوجد هذا الأمر.
والحافظ بن حجر رَدَّ على الدليل الأول بأن الكفارة لا يلزم أن تكون عن إثم، فقد تكون على الآثم كالقاتل عمدًا، وعلى غيره كالقاتل خطأً، وحيث كان كفارة الناسي هي القضاء، فكفارة المتعمد هي القضاء أيضًا مع التوبة.
كما رد على الدليل الثاني، بأن وجوب القضاء لا يحتاج إلى أمر جديد، فهو مأمور بأداء الصلاة بالخطاب التكليفي الأول، وتاركها صار مَدِينًا، والدَّيْنُ لا يسقط إلا بأدائه.
هذا وجاء في تفسير القرطبي أن ما رُوِيَ عن مالك مِنْ قوله: مَنْ ترك الصلاة متعمدًا لا يَقضى أبدًا، هو إشارة إلى أن ما مضى لا يعود، أو هو كلام خَرَجَ مَخْرَجَ التغليظ، كما روى عن علي وابن مسعود أنَّ مَنْ أفطر عامدًا لم يُكَفِّرْهُ صيام الدهر وإنْ صامه.
ومع هذا فلابد من تَوفية التكليف حقه بإقامة القضاء مقام الأداء، وإتباعه بالتوبة ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء، وما روى عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ “مَنْ أفطر يومًا من رمضان متعمدًا لم يُجْزِهِ صيام الدهر وإنْ صامه” فهو حديث ضعيف خَرَّجَهُ أبو داود، وإنْ صَحَّ حُمِلَ على التغليظ.
وهل يقال: إن حديث رُفِعَ القلم عن النائم حتى يستيقظ، فلماذا يأمر الرسول مَنْ نام عن الصلاة بقضائها؟ والجواب أن المراد رَفْعُ الإثم لا رفع الفرض عنه، وليس هذا من باب قوله “وعن الصَّبِيِّ حتى يحتلم” وإن كان ذلك جاء في أثر واحد؛ لأن رفعها عن الصبي رَفْعٌ للوجوب، وبالتالي رفع للإثم. أو يقال: إن حديث الصلاةُ مُخَصِّصٌ لحديث رفْع القلم، بمعنى أن حديث رفع القلم ـ أي عدم المؤاخذة ـ إنْ صَدَقَ على الصبي وعلى المجنون، فالصلاة مستثناة مِنْ رفع القلم، فالنائم عنها مُؤَاخَذٌ وآثِمٌ، وكفارة ذلك هي قضاء الصلاة، أهـ.
وهناك قول عند الحنابلة بعدم وجوب القضاء على من ترك الصلاة عمدًا، وذلك إذا طلبها منه الحاكم ودعاه إلى فِعلها؛ لأن في هذه الحالة يكون مُرْتَدًّا عندهم، لكن هذا القول ـ مع كونه أحد القولين وليس بأرجحهما ـ مُقَيَّدٌ بحالةٍ مخصوصة، وهي طلب الحاكم.
والخلاصة أن تارك الصلاة سهوًا يجب عليه القضاء باتفاق العلماء، وتاركها عمدًا يجب عليه القضاء عند الجمهور، وهو الصحيح والإنسان حُرٌّ في كيفية القضاء من حيث الترتيب وعدمه على ما رآه بعض الفقهاء ـ وربما وَضَّحْنَاهُ في موضع آخر ـ ونختار هذا الرأي للتيسير، كما أنه يَقضي ما علم أو غلب على ظنه تركه بعد الاجتهاد في حصر المتروك، ولا معنى لانشغاله بالنوافل التي لا يُحَاسَبُ عليها مع الإهمال في القضاء.
وعلى تارك الصلاة عمدًا ـ مع وجوب القضاء ـ أن يتوب إلى الله ويُواظب عليها ويندم على تقصيره ويعزم عزمًا صادقًا على عدم التهاون فيها. كما يُسَنُّ له أن ْيُبادر بالقضاء قبل مُبَاغَتَةِ الأجَلِ أو تَغَيُّرِ الظروف التي يعجز معها عن القضاء. ومن مات وهو يقضي ولم يُتِمِّ الوفاءَ فأمره مُفَوَّضٌ إلى ربه، وبِحَسَبِ نِيَّتِهِ تكون آخرته، والرجاء في رحمة الله كبير.