السؤال:

مَن الذي أمر الله إبراهيم بذبحه من أولاده: هل هو إسحاق أم إسماعيل؟

الجواب:

قال الله تعالى عن إبراهيم ـ عليه السلام ـ ( فبشَّرْناه بغُلام حَلِيم فلمَّا بلغ معه السَّعْى قال يا بُنيَّ إنِّي أرى في المنام أنِّي أذْبَحُك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تُؤمَر ستجدُني إن شاء الله من الصابرين . فلمَّا أسْلَما وتَلَّهُ للجَبِينِ . وناديناه أن يا إبراهيم قد صدَّقْتَ الرُّؤْيا إنا كذلك نَجْزِي المحسنين . إنَّ هذا لهو البلاء المبين . وفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عظيم . وتركْنَا عليه في الآخرين . سلام على إبراهيم . كذلك نجزي المحسنين . إنه من عبادنا المؤمنين . وبشرناه بإسحاق نبيًّا من الصالحين . وباركْنا عليه وعلى إسحاق ومن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسن وظالم لنفسه مبين) ( سورة الصفات: (101 ـ 113)، وقال عند الكلام عن الملائكة لما جاءت إبراهيم البشرى (وامْرأتُه قائمة فضَحِكَتْ فبشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ ومِن وراءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوب) (سورة هود: 71)، وقال في موضع آخر: (وبشَّرُوه بغُلامٍ عليم) ( سورة الذاريات).
وروَى الحاكم في المستدرك عن معاوية بن أبي سفيان قال: كنا عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأتاه أعرابي فقال: يا رسول الله، خلَّفت البلاد يابسة والماء يابسًا، هلك المال وضاع العيال، فعُد عليَّ ممَّا أفَاء الله عليك يا ابن الذَّبِيحَيْن….. قال : فتبسَّم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يُنكر عليه.
وقد ذكره الزمخشري في الكشاف، وقال الزَّيلعي في تخريج أحاديثه: غريب.
وجاء في كتب السيرة أن عبد المطلب نذَر إنْ رزقه الله عشرة بنين ليَذْبَحَنَّ أحدَهم قُربانًا لله، وذلك عندما منعتْه قريش من حفر زمزم ولم يكن معه إذ ذاك إلا ولده الحارث، وعندما رُزق بالبنين وأراد أن يُوفِّي بنذره جاءت القُرعة على عبد الله “والد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد” حتى افتدى أخيرًا بمائة من الإبل، ولهذا روى أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: أنا ابن الذبيحين أي إسماعيل الذي أمر الله أباه إبراهيم بذبْحه، وعبد الله والده، الذي كان سيُذبح.
إزاء هذه المرويات اختلف العلماء في الذبيح الأول هل هو إسحاق أم إسماعيل؟
الجمهور على أن الذبيح إسماعيل، ومما يؤيد رأيهم ما يأتي:
1 ـ أن إبراهيم ـ عليه السلام ـ لما أنْجَاه الله من النار وهاجر من أرض العراق إلى الشام (وقال إنِّي ذاهِبٌ إلى ربِّي سيَهْدين) (سورة الصافات: 99) ولمَّا تقدَّمت به السِّنُّ ولم يُنجب طلب من ربِّه أن يَهَبَ له ولدًا فاستجاب الله له: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ . فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) (سورة الصافات:100 ـ 101) وكان هذا الغلام مِن هاجر المصرية وهو بالشام، وهو إسماعيل، ولما لم تُنجب زوجتُه الأولى دخلت الغَيرة قلبَها فأمره الله أن يُبعد عنها هاجر وولدَها، فأسكنهما في موضع مكة، وامتَحنه بذبْحه لمَّا بلغ معه السعي وكان ذلك الامتحان في مكة.
أما ابنه إسحاق فجاءت البشارة به بعد أن بشَّره الله بإسماعيل، كما تدل عليه الآيات التي ذَكرت الرؤيا والبدء في الذبح ثم افتداء الله إسماعيل بذِبْح عظيم، وانتهت بمدح إبراهيم ثم ذكرت البشارة بإسحاق.
والامتحان يكون بذبح الابن البكر الذي جاء بعْد شَوْقٍ طويل، لا بالولد الثاني الذي لا يَصِل حبُّه إلى ما وصل إليه حبُّ الأول.
2 ـ وأنَّ إبراهيم عاش سلسلة من الامتحانات أكثرها يتَّصل بهاجر وولدها إسماعيل، حيث أسكنها بواد غير ذِي زَرْعٍ، مسلمًا أمرهما إلى الله، يَعيش بعيدًا عنهما في الشام، ويزورهما على فتْرات، ثم يتَصاعد الامتحان بأن يَرى في المَنام أنه يذبح فَلْذة كَبِدِه، وما ذلك إلا إسماعيل، ولنتصور حال إبراهيم لو تمَّ الذَّبح كيف يترك هاجر وحيدة في مكان ليس فيه من الأُنس ما في الشام حيث يستقرُّ به المقام، إن سلسلة هذه الامتحانات المترابطة تؤكد أن الذبيح هو إسماعيل.
3 ـ وأن هناك اختلافًا في الظروف التي بشر بها إبراهيم بكِلا ولديه إسماعيل وإسحاق فالبشارة بإسماعيل كانت عند هجرته من أرض العراق وبطلب من الله أما البشارة بإسحاق فكانت عندما جاءته الملائكة في طريق مرورها إلى قوم لوط، وهي فترة كان فيها إسماعيل مع أمه هاجر بعيدين عن البيت، الذي لم يكن فيه إلا سارة التي عجبت أن يُولد لها وهي عجوز عقيم وبعْلها شيخ كبير، ولم يكن هناك طلب منهما لهذا الولد والامتحان بذبح من طَلَبِه وتَشَوُّقٌ إليه امتحان أشد.
4 ـ أن الشُّروع في ذبْح إسماعيل صاحبتْه أحداث تدل على أنه هو المقصود بالذبح وليس إسحاق، ذلك أن الروايات تقول إن إبراهيم أخذ ولده وخرج به من البيت ليذْبحه بعيدًا عن أمه فلقِيَهما الشيطان في الطريق وسوَّل لهما عدم الاستجابة، فرجَمَه إبراهيم في أكثر من مكان، ومنه كانت شعيرة رمْي الجمار من شعائر الحَج، وذلك في مكة وليس في الشام.
5 ـ عندما بشَّر الله إبراهيم بإسحاق عن طريق الملائكة، جاء في البشارة: (وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوب) (سورة هود: 71) يعنى أن إسحاق سيُولد ويَكْبَر ويتزوج ويُولد له يعقوب، فهل يُعقل بعد الاطمئنان على حياة إسحاق أن يذبحه أبوه؟ إنه لو ذبحه فمن أين يكون يعقوب؟ هذا دليل قوي على أن الذبيح هو إسماعيل.
6 ـ أن البشارة بإسماعيل وصفتْه بأنه غلام حليم، أما البشارة بإسحاق فوصفته بأنه غلام عليم، وصفة الحلم تتناسب مع من أطاع أمر ربه وصدق رؤيا أبيه فلم يغضب ولم يعْصِ، وهو إسماعيل. وصفة العلم غالبة في نسل إسحاق ويعقوب وبني إسرائيل.
7 ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سُئل عن الأضاحي قال: “سُنةُ أبيكم إبراهيم” رواه أحمد وابن ماجه، وأبو العرب هو إسماعيل بن إبراهيم، وليس إسحاق بن إبراهيم، كما هو معروف والقرابين كانت تُذْبَح في مكَّة وليس في الشام استجابة لدعْوة إبراهيم ربَّه: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُون) (سورة إبراهيم:37) (وأذِّن في الناس بالحَجِّ يأتُوكَ رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كلِّ فَجٍّ عميق. ليشهدوا منافعَ لهم ويذكروا اسم الله في أيام مَعْلومات على ما رزَقَهُم من بَهيمة الأنعام فكُلوا منها وأطعموا البائس الفقير . ثم لْيقضوا تَفَثَهُم ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ) (سورة الحج: 27 ـ 29)
8 ـ أن أهل الكتاب يقولون: إن الله أمر إبراهيم أن يَذبح ابنه وحيده، وما كان له ابن وحيد إلا إسماعيل، فإن إسحاق لا يُقال له وحيد حيث كانت وِلَادَتُه بعد ولادة إسماعيل، فقد نصَّت كتبهم على أن إسماعيل ولد ولإبراهيم ست وثمانون سنة، وأن إسحاق ولد ولإبراهيم تسع وتسعون سنة. فأوَّل ولد بُشِّر به هو إسماعيل والوحيد الذي أمر بذبحه هو أيضًا إسماعيل. وهو البِكْر كما عبر عنه في بعض نُسَخهم، فأقْحموهاهنا كذبًا وبهتانًا اسم إسحاق لأنه أبوهم، وإسماعيل أبو العرب فحسدوهم، ذكر هذا ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: (فبشَّرناه بغلام حليم).
9 ـ أن كبار العلماء من السلف قالوا: إن الذبيح هو إسماعيل كما روى ذلك عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس، ومجاهد عن ابن عمر، والشَّعبي يقول: رأيت قَرْنَيِ الكبش في الكعبة (كذا) وعمر بن عبد العزيز استدعى يهوديًّا بالشام أسلم وحسُن إسلامه فشهد بأن الذبيح إسماعيل. وأبو عمرو بن العلاء سأله الأصمعي عن الذبيح فقال له: أين ذهب عقلك، متى كان إسحاق بمكة؟ إنما هو إسماعيل بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنْحر بمكة.
يقول الألوسي بعد أن ساق أقوال العلماء في ذلك: والذي أميل إليه أن الذبيحَ إسماعيلُ؛ لأنه المروي عن كثير من أئمة أهل البيت ولم أتيقَّن صحة حديث مرفوع يقتضي خلاف ذلك، وحال أهل الكتاب لا يخفى على ذوى الألباب.
هذا هو ما أُثير حول هذا الموضوع لخصْته من كتب السيرة، ومن زاد المعاد لابن القيم وغيره من المصادر، ينتهي إلى أن الذبيح هو إسماعيل، وما سبق في ذلك هو اجتهادات واستنباطات يؤيِّدُها حديث الحاكم عن معاوية بعدم إنكار الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على من ناداه بابن الذَّبيحين، كما يؤيِّدها ما روي عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ مِن قوله: “أنا ابن الذبيحين”.