السؤال:

في البلاد التي يشيع فيها التبرج هل يجوز إقامة مغسلة عامة تقوم بغسل وكي الملابس مقابل أجر، علما بأنها تستقبل حتما ملابس لمتبرجات يخرجن بها قطعا إلى الشوارع؟ وهل يختلف الحكم في بلاد المسلمين حيث الالتزام بالشريعة عن بلاد الكافرين حيث لا إسلام ولا شريعة؟!

الجواب:

الأصل في غسل الملابس وكيها مقابل أجر أنه عمل مشروع، ولكن الحرج يأتي مما قد يتضمنه في بعض الأحوال من الإعانة على معصية، كمن يتولى غسل وكي ملابس السهرات الخارجية التي تكشف فيها المرأة ما أمرها الله بستره والتي لا تلبس إلا خارج المنزل، ومثله الذي يغسل ويكوي ملابس الفنانات التي يقمن فيها بأدوار سينمائية أو تليفزيونية، لا شك أنه يعين بعمله هذا على معصية الله عز وجل، وقد تمهد عند أهل العلم النهي عن كل عقد أعان على معصية الله عز وجل، فلا يجوز بيع العنب لمن يعصره خمرا، ولا بيع السلاح في الفتنة، ولا لأهل الحرب، والجمهور على تحريم هذه العقود عند التحقق من إفضائها إلى معصية، ومن أدلتهم على ذلك:

• قوله تعالى:  (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) المائدة :2

• ما رواه أحمد وغيره عن ابن عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل فقال: يا محمد إن الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه، وبائعها ومبتاعها وساقيها ومستقيها)  رواه أحمد والحاكم.

•وما روي عن محمد بن سيرين أن قيما كان لسعد بن أبي وقاص في أرض له وأخبره عن عنب أنه لا يصلح إلا زبيبا ولا يصلح أن يباع إلا لمن يعصره، فأمر بقلعه، وقال: بئس الشيخ أنا إن بعت الخمر!

ومال الأحناف إلى القول بالكراهية وهو وجه عند الشافعية؛ لأن هذه العقود مشروعة في ذاتها وإنما جاء الخلل من جهة اتصالها بمقصود غير مشروع، مع عدم التحقق من وقوعه، فقد يقع هذا المحذور وقد لا

يقع، ومثل هذا يقتضي الكراهية.

والخلاصة إن في هذه المهنة تفصيلا على النحو التالي:

• ما كان من هذه الملابس موضع النظر محتملا للبس داخل البيت وخارجه فلا حرج في غسله وكيه، وتبقى المسؤولية على صاحبة الثياب، وكل نفس بما كسبت رهينة.

أما ما كان منها لا يحتمل إلا اللبس خارج المنزل وهو مما لا يشرع فالأصل اجتنابه وعدم قبوله، وأدنى أحواله الكراهية.

فإن استطاع صاحب المغسلة التعامل بهذه القواعد فلا حرج في القيام بهذا العمل، ولعله بهذا يفتح بابا جديدا من أبواب البلاغ، ويقيم منبرا جديدا من منابر الدعوة إلى الله عز وجل، واستفاضة البلاغ ببعض ما أماته الناس من دينه أو استحلوه من حرماته.

ومن عجز عن ذلك وكان لا يملك إلا أن يقبل الجميع أو أن يرفض الجميع، وكان المجتمع الذي يعيش فيه قد غلب على نسائه التبرج، وارتداء ما يحرم من الثياب فخير له أن ينصرف عن هذا العمل إلى غيره فإن أدنى أحواله الشبهة، ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ  لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام.