السؤال:

هل كان الأنبياء مُلتزمين للوحي الذي يأتيهم من عند الله، أو كانت لهم اجتهادات في بعض الأحيان لا يَلتزمون فيها بالوحي؟

الجواب:

ذكر القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ) (سورة الأنبياء:78) أن العلماء اختلفوا في جواز الاجتهاد على الأنبياء، فمنعه قوم، وجوَّزه المحقِّقون، لأنه ليس فيه استحالة عقلية، فالعقل دليل شرعي، وهو يكون إذا لم يوجد نص، وفي بعض الأحيان لا يكون هناك نص في مسألة، بل لهم الاجتهاد في النص، وهم معرَّضون للخطأ فيه، إلا أن الله سبحانه لا يُقرهم على خطئهم.
وذكر القرطبي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سألته امرأة عن العدَّة، فقال لها “اعتدِّي حيث شئت”، ثم قال لها: “امكُثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله”، وقال له رجل: أرأيت لو قُتلت صابرًا محتسبًا أيحجزُني عن الجنة شيء؟ فقال: “لا” ثم دعاه فقال: “إلا الدَّين” كذا أخبرني جبريل عليه السلام”، وقد قرَّر القرآن الكريم أن داود أخطأ في الحكم في قضية الغنم التي أكلت زرع الغير، وفهَّم الله الحكم الصحيح لسليمان، فذلك دليل على أن الأنبياء لا يقَرون على خطئهم، فحكمهما كان باجتهاد كما رآه الجمهور، وليس حكم داود بوحي نسَخة وحي نزل على سليمان.

وقد ثبت أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ استشار أبا بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ في شأن أسرى بدر، ثم اختار رأي أبي بكر، وأقره الله عليه وأباح له فداءهم وأحل له المال الذي أخذه فدية، قال تعالى: (لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ . فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا) (سورة الأنفال:68-69) كما ثبت أنه قَبِلَ اعتذار بعض المنافقين عن تخلُّفهم عن الغزوة بِناء على ما أبدوه من أعذار، فنزل في ذلك قوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) (سورة التوبة:43). فالخُلاصَةُ أنَّ الأَنْبِيَاءَ لهم الاجتهاد فيما لم يرد فيه نص، وفي فهم المراد من النص، ويجوز عليهم الخطأ على رأي الجمهور، إلا أنهم لا يُقَرون على خطئهم، وقد وقع الاجتهاد من بعضهم كداود وسليمان، ومن سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصُوَره كثيرة، وقد ثبت أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ استعمل القياس في اجتهاده، فقد صح في البخاري أن امرأة من جهينة قالت له: إن أمي نذرت أن تحُج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: “حُجِّي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا فالله أحق بالقضاء”.

وروى مسلم أن رجلاً قدم من جيشانـ باليمن ـ فسأل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له “المزر” فقال له: “أو مسكر هو”؟ قال: نعم “فقال: كل مسكر حرام” وإذا كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ اجتهد فللمسلمين فيه أسوة حسنة، أي يجوز لهم الاجتهاد، في حياته وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، فقد أقر سعد بن معاذ في بني قريظة حيث حكم بقتل الرجال وسبي الذرارى والنساء وأخذ أموالهم وقال له: “لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات” كما رواه البخاري ومسلم، ولما توجَّه الصحابة إلي بني قريظة قال لهم: “لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة”، فوقف بعضهم عند النص احترامًا له ولم يُصلِّ العصر إلا في بني قريظة وقد فات الوقت. وفهم بعضهم من النص أن المراد هو الإسراع والمبادرة فصلى العصر قبل الوصول إلى بني قريظة حفاظًا على الوقت، ولما ذكروا ذلك للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يعنف واحدًا منهم، رواه البخاري ومسلم، وإقراره لمعاذ حين بعثه إلى اليمن حين قال في القضاء: أقضي بالكتاب فإن لم أجد فبالسنة، فإن لم أجد أجتهد رأيي ولا آلو، حيث قال له”الحمد لله الذي وفَّق رسولَ رسولِ الله لما يُرضى الله ورسوله” رواه أبو داود والترمذي.