السؤال:

هل التوبة الستر على المذنبين أم الإبلاغ عنهم؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

فالمطلوب من المسلم إذا ارتكب حدا من حدود الله عز وجل أن يتوب بينه وبين الله عز وجل، ولا يبلغ ولي الأمر حتى لو كان ولي الأمر يقيم الحدود، فكيف إذا لم يكن ببلد التائب من لا يقيم الحدود؟ لا شك هنا أن التوبة مع الستر أولى.

والتوبة ليست مجرد استغفار باللسان، ولكنها عمل مكون من شروط، وهذه الشروط هي العزم والندم الصادقان من المؤمن المذنب على ترك المعصية، وعدم العود إليها، ذلا لله وخوفا من عقابه، فمن وجد منه ذلك كانت توبته حينئذ صحيحة، ونرجو أن تكون منجية له من العذاب إن شاء الله، فالتوبة النصوح إذا صدرت من المذنب فى وقتها مستوفية شروطها تلحق التائب بمن لم يرتكب المعصية أصلا.

والتوبة بهذا المفهوم هي التي ترفع غضب الله عز وجل. هذا عن المذنب نفسه.

وأما من رآه يذنب، أو سمع بمعصيته منه أو من غيره، فإنه يجوز الستر على العصاة والمذنبين إذا اقترفوا حدودا ليس فيها حق لأحد من البشر كشرب الخمر، ويتأكد الستر ويكون أفضل من إبلاغ السلطات عنه إذا لم يكن المذنب معروفا بالفسق والاستهتار؛ لأن هذا الأخير الأولى الإبلاغ عنه لينال ما يردعه ويمنعه. على أن الزنا لا يمكن الإبلاغ عنه إلا إذا بأربعة شهود يرونه في حالة جماع حقيقي وإلا كان على من دون الأربعة أن يسكتوا حتى لا يقعوا في جريمة القذف.

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية :

نص فقهاء المذاهب على أنه يجوز في الحدود الشهادة والستر، لكن الستر أفضل فيما كان حقا لله عز وجل، واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : “من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة” وبقوله عليه الصلاة والسلام : “لو سترته بثوبك كان خيرا لك”. واستثنوا من ذلك المتهتك الذي لا يبالي بإتيان المحظورات ولا يتألم لذكره بالمعاصي.

وقال الفقهاء : يقول الشاهد على السرقة : أخذ لا سرق إحياء للحق ورعاية للستر. وإذا طعن في الشهود يجوز أن يسأل عنهم القاضي جهرا أو سرا على المفتى به عند الحنفية.
وقال المالكية : إن الشاهد مخير في الرفع إلى القاضي أو الترك إلا في الحدود فالترك فيها أولى لما فيه من الستر المطلوب في غير المتجاهر بفسقه وأما المجاهر فيرفع أمره. وكون الترك مندوبا هو قول لبعض المالكية وفي المواق : ستر الإنسان على نفسه وعلى غيره واجب وحينئذ يكون ترك الرفع واجبا .

وقال صاحب الطريقة المحمدية من الحنفية : ما وقع في مجلس مما يكره إفشاؤه إن لم يخالف الشرع يجب كتمانه. وإن خالف الشرع فإن كان حقا لله تعالى ولم يتعلق به حكم شرعي كالحد والتعزير فكذلك وإن تعلق به حكم شرعي فلك الخيار والستر أفضل كالزنا وشرب الخمر. وإن كان حق العبد فإن تعلق به ضرر لأحد مالي لا بدني أو حكم شرعي كالقصاص والتضمين فعليك الإعلام إن جهل والشهادة إن طلب وإلا فالكتم. انتهى.

و يقول الدكتور يوسف القرضاوي :
يجب على من ارتكب جريمة الزنا  أن  يتوب إلى الله عنها، ويندم ويستغفر الله عز وجل، ويعزم عزما صادقًا على ألا يعود لمثل هذا الذنب أبدًا، كما لا يعود اللبن إلى الضرع.

بعض العلماء شددوا وقالوا : لا بد أن يذهب إلى أهل المزني بها ويستسمحهم لأن هذا أمر يتعلق بحقوق العباد، فلا بد أن يسامح العباد في حقهم، ومعنى هذا أن يذهب الرجل إلى من يريد أن يستسمحه فيقول له : لقد زنيت بامرأتك أو بابنتك فاصفح عني وسامحني.. طبعًا، هذا شيء لا يعقل حدوثه، لأن ذلك الرجل سوف يقتله أو يفعل به الأفاعيل.

ولهذا حقق المحققون أن التوبة من الزنا تكون بين المرء وخالقه تعالى. فإذا تاب وأناب وندم واستغفر، فالمرجو أن يعفر الله له ويعفو عنه. انتهى.

 

ويقول الشيخ عطية صقر -من كبار علماء الأزهر الشريف- :

ننصح من يتورطون في جريمة عقوبتها الحد أو غيره، وبخاصة ما ليس فيها حق للعباد أن يستروا أنفسهم فلا يبيحوا بها، ولا يطلب أحد أن يُقام عليه الحد لتكفير خَطئه، فالتوبة النصوح أحسن وسيلة. وأوقع في عدم الوصمة للفرد والمجتمع بالانحراف. يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : “من أصاب شيئًا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، فإن من أبدى لنا صفحته أقمنا عليه الحد” رواه مالك في الموطأ. ويقول في مبايعته لأصحابه على عدم الشرك والزنا والسرقة والقتل : “ومن أصاب شيئًا من ذلك فَسَتَرَه الله عليه فَأَمره إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذَّبه”. (رواه البخاري ومسلم).

ويقول فضيلته أيضا :

رَوى البخاري ومسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : “كلُّ أمتي مُعَافىً إلا المجاهرين، وإنَّ من المجاهرة أن يَعمل الرجل عملًا بالليل فيَسْتُره ربُّه، ثم يُصْبِح فيَكْشِف سِتْرَ الله عنه”،

وروى الحاكم وصححه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : “الحياء والإيمان قُرَناء جميعًا، فإذا رُفِع أحدهما رُفِع الآخر” ولما رجم النبي -صلى الله عليه وسلم- ماعزًا الأسلَمي قال : “اجْتَنِبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمَن ألمَّ بشيء منها فليَسْتَتِر بِسِتْر اللهِ، فإن أبْدَى لَنَا صَفْحَتَه نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللهِ” صحَّحه الحاكم وابن السَّكن، وقال الذهبي في المُهذب : إسناده جيد وقال إمام الحرمين : صحيح متفق عليه، قال ابن الصلاح : عجيب أوقعه فيه عدم إلمامه بصناعة الحديث “الزرقاني على المواهب ج4 ص 261”.

ورَوى أبو داود والنسائي أن هُزالًا لمَّا ذهب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يُخْبُره عن زنا ماعز، فحَضَر ماعز وأقرَّ ورُجِمْ، قال النبي لهُزال : “لو ستَرْتَه بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ”، وَرَوى مسلم وغيره أن رجلًا قال للنبي -صلى الله عليه وسلم- : إني عالجت امرأة من أقصى المدينة وأصبْت منها ما دون أن أمَسَّها، فأنا هذا، فأقِمْ عليَّ ما شئتَ، فقال عُمر: لَقَدْ سَتَرَ الله عليك لو سترْتَ على نفسك، فلم يردَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- شيئًا. (نيل الأوطار ج7 ص 106).

يُؤْخَذ من هذا أن سِتْر الإنسان على نفسه وسترَ الغير عليه مطلوب، ولو استغفر العاصي ربَّه وتاب إليه عافاه الله، والمجاهرون بالمعصية قوم غاضَ ماءُ الحياء من نفوسهم، وتبَلَّد حِسُّهم، وماتت ضمائرهم، فقلَّما يُفكرون في العَودة إلى الصواب وبهذا يموتون على عصيانهم وفسوقهم. فالمطلوب ممن يرتكبون المعصية أيًّا كانت أن يستتروا بها ولا يُفْشوها، وأن ينْدَموا ويتوبوا، وألا يُفْشوها للناس فقد يُقام عليهم الحدُّ أو التعزير، ثمَّ ينْدمون ولاتَ ساعةَ مَنْدَم، وفي الإفْشاء إغراء للبُسَطَاء بالعِصْيان، ووضْع لأنفسهم موضع التُّهمة والاحتقار، ورحم الله امرأ ذبَّ الغيبة عن نفسه، والله يقول : (إنَّ الذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة ) [سورة النور:19]. انتهى.

والله أعلم.