السؤال:

لو ادعى مدع أن العدل بين الزوجتين غير واجب لوجوه : (الأول) إخبار الله تعالى بأن العدل غير مستطاع . (الثاني) تقيد المنهي عنه بجعلها كالمعلقة أي : فلا بأس بما دون هذه الحالة . (الثالث) الأزواج قوامون ولا يليق بالقوام أن يكون مقادًا لمن هو قوام عليها، والأحاديث ما فيها (من مال إلى إحدى امرأتيه) وهو الميل المصير لها كالمعلقة، وما فيها (من لم يعدل) فهو بمعنى مال، فهل العدل غير واجب؟

الجواب:

فيقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله-ردا على سؤال مماثل:

الذي يؤخذ من مجموع الروايات في تفسير السلف لهذه الآية أن اللام في العدل ليست للجنس بل للعهد، فالمراد بها عدل خاص لا مطلق العدل، فإن بعضهم فسره بالعدل في الحب، وهو الذي يدل عليه التفريع بقوله: [ فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ ]( النساء : 129 ) وحديث: ( اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ) رواه ابن أبي شيبة وأحمد وأصحاب السنن الأربعة وابن المنذر من حديث عائشة وإسناده صحيح، وفيه وردت الأحاديث التي أشار إليها السائل، وفسره بعضهم بالوقاع، وهو وإن كان فيه من الاختيار ما ليس في الميل الذي هو سببه، فالعدل فيه محال.

وإذا كانت الآية دالة على أننا لا نكلف هذا العدل الخاص؛ لأنه غير مستطاع ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فلا ينفي ذلك أن نكلف العدل المستطاع في المبيت والنفقة وحسن المعاملة في الحديث والإقبال ولو تكلفاً، ولا وجه لحمل الآية على إثبات كون مطلق العدل غير مستطاع؛ لأن الآية لا يمكن أن تكون مخالفة للواقع المعروف بالضرورة .

فالوجه الأول: من الوجوه التي ذكرها السائل مسلم، ولكنه يفيد أن العدل في الميل غير واجب؛ لأنه غير مستطاع لا مطلق العدل، ولولا التفريع لكان الأظهر أن يقال: إن العدل الذي لا يستطاع هو العدل التام الكامل الذي يشمل الحب وما يترتب عليه؛ مما يعلم بالضرورة أنه لا يدخل في الاختيار مهما حرص المرء عليه ولا ينفي هذا ولا ذاك أن يكون العدل المستطاع واجبًا، وقد تقدم معنى العدل في التفسير من عهد قريب، وكونه من جعل الغرارتين على ظهر البعير متساويتين في الوزن، وهذا غير ممكن على حقيقته في الأخلاق والأمور المعنوية؛ ولذلك قيل: إن العدل التام الكامل هو صراط الحق الذي وصف بأنه أدق من الشعرة وأحد من السيف، وهذا ما كان يحرص عليه المؤمنون طلاب الكمال كما تدل الآية.

وأما الوجه الثاني: فهو لا يدل على كونه مطلق العدل غير واجب كما هو فرض السائل، وإنما يدل على أن بعض العدل في الميل مستطاع وواجب؛ لأن الميل قسمان: ميل القلب وما يترتب عليه من ميل الجوارح بالالتفات والإقبال والمؤانسة، فمن مال إلى إحدى زوجتيه كل الميل، فجعل الأخرى بذلك محرومة من مقاصد الزوجية كلها، وهي: السكون والمودة والرحمة، كان آثمًا لأنه جعلها كالمعلقة التي ليست متزوجة ولا أيمًا، ومن مال بعض الميل وهو ميل القلب فقط الذي لا سلطان لاختياره عليه فهو غير آثم.

وأما الوجه الثالث: فليس بشيء، فإن العدل فيمن يقوم المرء بأمر الرياسة عليهم، ليس ذلاً بل هو العز الحقيقي كالحاكم العادل، يكون عزيزًا بعدله ظاهرًا وباطنًا.

هذا وإن العدل الذي يدخل في اختيار الإنسان واجب، حتى في معاملة الأعداء كما هو منصوص في آيات كثيرة، فكيف يتعلق الاجتهاد بتفسير الآية، فيما يخالف النصوص القاطعة المعلومة من الدين بالضرورة؟.

فظهر بهذا أن من يستدل بالآية على عدم وجوب العدل بين الزوجتين مطلقًا ينكر عليه؛ لأنه فسرها بما لا تدل عليه، وبما يخالف النصوص القطعية الكثيرة المعلومة من الدين بالضرورة.