السؤال:

ما قولكم في خضاب الشعر وتغيير لونه لإخفاء الشيب، وهل ورد في السنة نص يصرح بتحريم السواد منه ، وهل وقع الإجماع على التحريم ؟ أفيدونا مأجورين

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :
فخضاب شعر الرأس مستحب ثابت في السنة، واختلف العلماء في جواز الخضب بالسواد، فذهب أكثر العلماء إلى كراهة الخضاب بالسواد لا يرخص فيه إلا للجهاد، والأرجح هو جواز ذلك بغير كراهة ، وما ورد عن حديث أبي قحافة فالنهي خاص به ، ولأن السواد للشيخ الهرم يستقبح ، وما ورد من تعليل كراهة السواد ؛ لكونه كان من عادة الكفار ، يفيد زوال الكراهية بانتفاء اختصاصهم بذلك ، وتتجه الكراهية الشديدة بل التحريم إذا كان في الخضاب غش محرم .

يقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله-ردا على سؤال مماثل :
أما خضاب شعر الرأس وكذا غيره فهو مستحب ، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة الأمر به ؛ كحديث أبي هريرة في الصحيحين : ( إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم ) وهناك أحاديث أخرى ، وفيها تصريح بالخضاب بالحمرة والصفرة والحناء والكتم وهو – بالتحريك – نبات بالبادية خضابه أصفر ، وإذا مزج بالحناء جاء لون الشعر بين السواد والحمرة، وخضب النبي صلى لله عليه وسلم كما صححه النووي والحسن والحسين وكثير من كبراء الصحابة ، وكره بعض العلماء الخضاب ؛ لما ورد من وصف الشيب بالنور ، وقال بعضهم : يتبع عادة بلده ؛ لأن هذه المسألة من العادات لا من العبادات ، ولكن آداب السلف أعلى ، فينبغي إيثارها .

قال علي القاري في الشمائل: ثم إن القائلين باستحباب الخضاب ، اختلفوا في أنه يجوز الخضب بالسواد والأفضل بالحمرة والصفرة ، فذهب أكثر العلماء إلى كراهة الخضاب بالسواد ، وجنح النووي إلى أنها كراهية تحريم ، وأن من العلماء من رخص فيه للجهاد ولم يرخص في غيره ، واستحبوا الخضاب بالحمرة أو الصفرة ؛ لحديث جابر قال : أتي بأبي قحافة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ، ورأسه كالثغامة بياضًا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : غيروا هذا ، واجتنبوا السواد أخرجه مسلم ثم قال : والثغامة بضم المثلثة وتخفيف المعجمة نبات شديد البياض زهره وثمره ، ولحديث أبي ذر رفعه ( إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم ) أخرجه الأربعة وأحمد وابن حبان وصححه الترمذي ، وتقدم أن الصبغ بهما يخرج بين السواد والحمرة .ا.هـ .

أقول: حديث مسلم في أبي قحافة رواه أحمد من حديث أنس بلفظ ( ولا تقربوا السواد ) ، وزاد في الفردوس يعني أبا قحافة ، فالنهي في الحديث خاص به ، والسواد للشيخ الهرم يستقبح .

وفي الباب حديث ابن عمر عن الطبراني والحاكم ( الصفرة خضاب المؤمن والحمرة خضاب المسلم والسواد خضاب الكافر )، والحديث منكر كما قال الحافظ الذهبي ، وقال الهيتمي : فيه من لم أعرفه .

وحديث ابن عباس عند أبي داود والنسائي ( سيكون قوم في آخر الزمان يخضبون بهذا السواد كحواصل الحمام لا يجدون رائحة الجنة ) ، زعم العراقي أن إسناده جيد ، ولكن قال ملا علي القاري : في إسناده مقال ، ولو كان مما يحتج به لجزموا بالتحريم ، وحديث أبي الدرداء ( من خضب بالسواد سود الله وجهه يوم القيامة ) قال علي القاري : إسناده لين ا هـ .

والصواب أن ضعفه أشد من ذلك ، ولا يصح في هذه الحنيفة السمحة ، مثل هذا الوعيد فيما لا ضرر فيه في دين ولا نفس ولا عرض ولا عقل ولا مال ، وهي الكليات الخمس للمحرمات في الإسلام .

على أن هذه الأحاديث الضعيفة معارضة بمثلها ، وبما هو أقوى كحديث الأمر المطلق بالصبغ في الصحيح ، وحديث صهيب عند ابن ماجه ( إن أحسن ما اختضبتم به لهذا السواد ، أرغب لنسائكم فيكم ، وأهيب لكم في صدور عدوكم ) ؛ ولأجل التعليل الثاني ، قال بعض العلماء : إن كراهة الخضاب بالسواد ، تنتفي بنية الجهاد أي : لمن هو من أهله ، وحملوا على ذلك ما روي عن بعض السلف من الاختضاب به ، ومنهم ابن عمر وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما ، وما ورد من تعليل كراهة السواد ؛ لكونه كان من عادة الكفار ، يفيد زوال الكراهية بانتفاء اختصاصهم بذلك ، وتتجه الكراهية الشديدة بل التحريم إذا كان في الخضاب غش محرم .
والله أعلم .