السؤال:

ما قولكم في مقبرة ببلادنا يدفن فيها أموات المسلمين، وقد اشتدت في هذه الأيام إليها حاجة الحكومة ؛ لجعلها رصيفًا على البحر لوقوف البواخر، ومن المتعذر وجود غيرها من الأراضي التي تجدر بأن تكون رصيفًا ، وقد طلبت الحكومة من المسلمين أن ينبشوا موتاهم، وينقلوهم إلى مكان آخر؛ ليتسنى لها بحث الأرض المطلوبة وتسويتها، فهل يجوز للمسلمين - والحالة هذه - نبش موتاهم نظراً للمصلحة العمومية أم لا ؟

الجواب:

فقد اتفق الفقهاء على حرمة نبش القبور قبل البلى إلا لضرورة، وجمهورهم على أن المقبرة الموقوفة ليس لأحد أن يتصرف فيها بغير الدفن، ومن الفقهاء من يرى أنه يجوز التصرف في الوقف بالاستبدال، وهذه المسألة التي لا نص فيها تردّ إلى أولي الأمر من المسلمين، ويقررون ما يرون فيه المصلحة للمسلمين، فإذا رأوا المصلحة في استبدال مقبرة أخرى بها استبدلوا، ولهم أن ينقلوا حينئذ رمم الموتى ويدفنوها في المقبرة الجديدة، وإلا فلا.

يقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله-ردا على سؤال مماثل:

المشهور في كتب الفقه أن المقابر المسبلة يحرم البناء فيها، سواء كان المبني قبة أم بيتًا أم مسجدًا ويجب هدمه، قال ابن حجر الهيتمي:حتى قبة إمامنا الشافعي التي بناها بعض الملوك، وينبغي لكل أحد هدم ذلك ما لم يخش منه مفسدة، فيتعين الرفع للإمام، وقال: إنه لا يجوز زرع شيء فيها ؛ لأنه لا يجوز الانتفاع بها بغير الدفن.

قال الشمس الرملي: وقد أفتى جماعة من العلماء بهدم ما بني فيها، ويظهر حمله على ما إذا عرف حاله في الوضع، فإن جهل ترك حملاً على وضعه بحق، كما في الكنائس التي نقر أهل الذمة عليها في بلدنا، وجهلنا حالها، وكما في البناء الموجود على حافة الأنهار والشوارع، وصرح في المجموع بحرمة البناء في المسبلة، قال الأذرعي: ويقرب إلحاق الموات بها؛ لأن فيه تضييقًا على المسلمين بما لا مصلحة ولا غرض شرعي فيه بخلاف الإحياء.

وتأمل تقييده الحرمة بالتضييق بما لا مصلحة فيه، وهل يعمل بمفهومه من أنه إذا كانت هناك مصلحة عامة وامتنع التضييق باستبدال تلك المقبرة بغيرها فإنه يجوز.

وأما نبش القبور، فإن كان قبل البلى حرم إلا لضرورة وعد الفقهاء منها الدفن بغير غسل، أو في أرض مغصوبة، أو ثياب مغصوبة، أو لغير القبلة أو وقع في القبر مال، وغير ذلك.

قال الرملي في النهاية: أما بعد البلى عند من مر ( أي أهل الخبرة بتلك الأرض ) فلا يحرم النبش، بل تحرم عمارته وتسوية ترابه عليه، إذا كان في مقبرة مسبلة؛ لامتناع الناس من الدفن فيه لظنهم عدم البلى.

وقال الشعراني في الميزان الكبرى: ( واتفقوا على أنه لا يجوز حفر قبر الميت؛ ليدفن عنده آخر إلا إذا مضى على الميت زمن يبلى في مثله ويصير رميمًا، فيجوز حينئذ  وكان عمر بن عبد العزيز يقول: إذا مضى على الميت حول، فازرعوا الموضع .

والشافعية صرحوا بمنع زراعة المقبرة المسبلة والموقوفة، كالبناء عليها وتشريف القبور فيها ؛ لأن ذلك يمنع من الانتفاع.

وفي كتاب ( كشف القناع عن متن الإقناع ) من كتب الحنابلة المعتبرة؛ أن البناء على القبر مكروه، وفي المسبلة أشد كراهة، وعن الإمام أحمد منعه في وقف عام، ثم قال ما نصه: وإذا صار ( الميت ) رميمًا جازت الزراعة وحرثه ( أي موضع الدفن ) وغير ذلك؛ كالبناء عليه، قاله أبو المعالي، والمراد ( أي بقول أبي المعالي ): تجوز الزراعة والحرث ونحوهما إذا صار رميمًا ( إذا لم يخالف شرط الواقف لتعيينه الجهة ) بأن عين الأرض للدفن، فلا يجوز حرثها ولا غرسها.

المراد منه، ثم ذكر جواز نبش قبور المشركين؛ ليتخذ مكانها مسجدًا؛ لأن موضع مسجد النبي صلى الله عليه وسلم كان مقبرة لهم؛ فاشترى الأرض، وأمر بنبشها وجعلها مسجدا، وكذا إذا كان فيها مال.

وعبر في المنتهى من كتبهم بقوله:( ويباح نبش قبر حربي لمصلحة أو لمال فيه ).

هذا ما رأيت أن أورده من كلام الفقهاء، والمذاهب فيه متقاربة، ولا أذكر نصًا صريحًا عندهم في الواقعة، وقد رأيت ما ذكره بعضهم من المصلحة، وجمهورهم على أن المقبرة الموقوفة أو المسبلة ليس لأحد أن يتصرف فيها بغير الدفن، حتى إنهم منعوا أن يحفر الإنسان فيها قبرًا لنفسه أو لغيره من الأحياء؛ ليدفن فيه عند الموت.

ومن الفقهاء من يرى أنه يجوز التصرف في الوقف بالاستبدال، وبما هو أقرب إلى مقصد الواقف، والتصرف في المسبلة أهون، وروي عن الإمام أحمد جواز استبدال مسجد بمسجد للمصلحة، واحتج بأن عمر أبدل مسجد الكوفة القديم بآخر، وصار الأول سوقًا، وجوز أن يباع ويبنى بثمنه غيره للمصلحة، ولو في مكان أو بلد آخر.

أما الكتاب فلا ذكر فيه لهذه المسألة ، والسنة كذلك، إلا أنه ورد فيها مما يتعلق بالمسألة حديث بناء مسجد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في مكان كان مقبرة، وتقدمت الإشارة إلى ذلك في كلام الفقهاء، وحديث جابر عند البخاري والنسائي قال: (دفن مع أبي رجل فلم تطب نفسي حتى أخرجته فجعلته في قبر على حدة) .

قال بعض العلماء: وفيه دليل على أنه يجوز نبش الميت لأمر يتعلق بالحي، أي على رأي من يعد فعل الصحابي حجة، وهو خلاف ما عليه الجمهور، ولو كان لهم عناية بالاحتجاج لهذه المسألة ، لقالوا : إن هذا العمل مما لا يخفى، وقد أقره الصحابة عليه، فكان إجماعًا، وكم قالوا مثل ذلك.

والذي أراه أن هذه المسألة كسائر المسائل التي لا نص فيها عن الشارع ترد إلى أولي الأمر من المسلمين، وهم رءوس الناس وأصحاب العلم والمكانة فيهم، فيتشاورون فيها، ويقررون ما يرون فيه المصلحة للمسلمين، فإذا رأوا المصلحة في استبدال مقبرة أخرى بها استبدلوا، ولهم أن ينقلوا حينئذ رمم الموتى ويدفنوها في المقبرة الجديدة، وإلا فلا.