السؤال:

كيف أن الشريعة الإسلامية أباحت الرِّقَّ ، مع أنها شريعة العدل والمساواة ؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

فيقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله-ردا على سؤال مماثل :

إنما أقرت الشريعة الإسلامية الناس من المشركين وأهل الكتاب على الرِّقّ ؛ لأنه كان من الأمور الاجتماعية الراسخة التي لا يمكن تركها بمجرد تحريمها ، ولا يكون تركها فجأة خيرًا للسادة ولا للأرقاء أيضًا ؛ لأن الأولين قد ناطوا بالآخرين كثيرًا من أعمالهم الزراعية والتجارية والصناعية والمنزلية ، حتى صاروا عاجزين عن القيام بها بأنفسهم ، وجرى العمل على ذلك قرونًا كثيرة ، حتى ضعُف استعداد السادة لهذه الأعمال ، وصار من المحقق أن العتق العامّ دفعة واحدة يُفْضي إلى فساد اجتماعي كبير .

وأما كونه لا خير فيه للعبيد أنفسهم ، إذا هو حصل دفعة واحدة بتكليف شرعي ، فهو أن هولاء صاروا بطبيعة الاجتماع عَالَة على سادتهم ، حتى إنهم إذا تركوهم لا يعرفون كيف يعيشون ، ولا كيف يعملون ، فكان من حكمة هذه الشريعة الفِطْرية الاجتماعية أن تُقرّ الناس على ما جروا عليه في أصل الرق ، وتضع لهم أحكامًا تكون تمهيدًا لإلغاء الرق بالتدريج ، فأمرت السادة أن يُساوُوا العبيد في الطعام واللباس ، وأن لا يكلفوهم ما لا يطيقون ، وأن يعينوهم على أعمالهم ويساعدوهم فيها ، وأوجَبتْ عليهم العتق بأسباب متعددة ؛ فجعلته كفارة لبعض الخطايا ؛ كالظِّهار وملامسة النساء في نهار رمضان للصائمين والحِنْث باليمين .

وجعلت للعتق أسبابًا كثيرة ؛ منها أنه إذا مثَّل بعبده عَتَقَ عليه وصار حرًّا ، وورد هذا في الأحاديث المرفوعة ، وكذلك التعذيب الخفي كالذي أَقْعَدَ أَمَتَه في مقلي حارّ فأحرق عَجُزها ، فأعتقها عمر بذلك وعاقبه ، بل قال صلى الله عليه وسلم ( من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يُعْتقه ) رواه مسلم في صحيحه وأبو داود في سننه من حديث ابن عمر .

وعن سويد بن مقرن قال : كنا بني مقرن على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ليس لنا إلا خادمة واحدة فلطمها أحدنا ، فبلغ ذلك النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : ( أَعْتِقوها ) رواه مسلم وأبو داود والترمذي ، وفي رواية أنه قيل للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) : إنه لا خادم لبني مقرن غيرها ، قال ( فليستخدموها فإذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها ) .

وروى مسلم وغيره عن أبي مسعود البدري من حديث قال فيه : كنت أضرب غلامًا بالسوط فسمعتُ صوتًا من خلفي إلى أن قال : فإذا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : ( إن الله أَقْدَر عليك منك على هذا الغلام ) ، وفيه قلت يا رسول الله : هو حرّ لوجه الله فقال : ( لو لم تفعل لفحتك النار أو لمستك النار ) .

ولو اتبع المسلمون هذا الإرشاد وحده أو لو كان حُكامهم بعد الخلفاء الراشدين نفذوا أحكام الشريعة كما كان ينفذها الراشدون ؛ لبطل الرق في القرن الأول في بلاد الإسلام على أن الفقهاء الذين اختلفوا فيما تدل عليه هذه الأحاديث من وجوب عتق العبد الذي يُضْرب ويهان ، قد صرحوا بأن العتق ينفذ ، ولو كان المُعْتِق هازلاً أو سكران ، وأن حكم القاضي به ينفذ مطلقًا ، ولو كان ظالمًا في حكمه ، وأن الإقرار بالرق لا يمنع دعوى الحرية بعده ، وأن الرقيق إذا ادَّعَى أنه حرّ يُصَدَّق ويحكم بحريته ، إلا إذا أثبت سيده ملكه له ، وإن من أعتق جزءًا من عبد عَتَقَ كله .

ثم إن الشريعة قد جعلت جزءًا من مال الزكاة المفروضة ؛ لأجل فك الرقاب من الرق ومع هذا كله رغَّبت المسلمين في العتق ترغيبًا عظيمًا ، والآيات والأحاديث في هذه كثيرة جدًّا ، فهذه عدة طرق عملية لإبطال الرق بالتدريج بحيث لا يشقّ ذلك على المالكين ، ولا يبطل مصالحهم ومنافعهم ، ولا يجعل أمر المعتوقين فوضى ، ويوقعهم في مَهْمَه الحيرة في أمر معاشهم .

والله أعلم .

 


الوسوم: , ,