السؤال:

كم وجوه للقراءات الصحيحة المتواترة المتفق عليها؟ وهل هنا قراءة أخرى من غيرها؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

فإن القراءات الصحيحة المتواترة المتفق عليها عشر قراءات، ويجد قراءات أخرى غير متواترة لا يعتد بها، ولا يوجد قراءة منه القراءات الصحيحة هي الأصل، بل كلها أصل ، لأنها منقولة من الوحي.

وأما الهمز ونحوه مما يختلف نطقه من قراءة لأخرى أو من رواية لأخرى فيسهل في بعضها ويحقق في البعض الآخر؛ فهذا ما يسمى بالأحرف، وهي لهجات العرب المختلفة التي جمع القرآن بينها، ولكل قوم أن يقرؤوا بالقراءة أو الرواية التي تناسبهم ويسهل نطقها على ألسنتهم.

فقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : “أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف”.
وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث اختلافاً كبيراً، والمختار هو أن المراد بالسبعة الأحرف سبع لغات متفرقة في القرآن العظيم، فبعضه بلغة قريش وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن، وكذلك سائر العرب، وليس المراد أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه.
واحتج لهذا القول بقول عثمان حين أمرهم بكتب المصاحف : ما اختلفتم فيه أنتم وزيد فاكتبوه بلغة قريش فإنه أكثر ما نزل بلسانهم، وقد أشكل على عبد الله بن عباس معنى (فاطر) حتى اختصم إليه أعرابيان في بئر فقال أحدهما أنا: فطرتها. قال ابن عباس ففهمت حينئذ موضع قوله تعالى : (فاطر السماوات والأرض) وقال أيضا : ما كنت أدري معنى قوله تعالى : (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق) [الأعراف 89]. حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها : تعال أفاتحك: أي أحاكمك. كما أشكل على عمر بن الخطاب رضي الله عنه معنى قوله تعالى: (أو يأخذهم على تخوف) حتى دله أعرابي على معناها مستدلاً بقول الشاعر :

تخوف الرحل منها تامكا قِرداً        كما تخوف عود النبعة السَّفَنُ

فهذا يدل على أن القرآن فيه عدة لغات سوى لغة قريش، وإن كان معظمه وأكثره نزل بلغتهم. قال القاضي ابن الطيب: معنى قول عثمان فإنه نزل بلغة قريش يريد معظمه وأكثره، ولم تقم دلالة قاطعة على أن القرآن بأسره منزل بلغة قريش فقط، إذ فيه كلمات وحروف على خلاف لغتهم وقد قال تعالى : (إنا جعلناه قرآنا عربيا) [الزخرف: 3].

ولم يقل قرشيا، وليس لأحد أن يقول : إنه أراد قريشا دون غيرها. كما أنه ليس له أن يقول: أراد لغة عدنان دون قحطان أو ربيعة دون مضر لأن اسم العرب يتناول جميع هذه القبائل تناولا واحداً.

وليُعلم أن العلماء اصطلحوا بعد ذلك على تقسيم قراءات القرآن إلى سبع قراءات، حتى توهم عوام الناس أن القراءات السبع التي اصطلح عليها العلماء هي بعينها الأحرف السبعة الواردة في الحديث السابق، وهذا خطأ.
قال السيوطي رحمه الله في الإتقان: قال أبو شامة: ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث، وهو خلاف أهل العلم قاطبة. ا.هـ

وقد تمنى بعض العلماء لو أنها سميت بغير هذا الاسم ليزول هذا اللبس عن العوام.

قال السيوطي في الإتقان: وقال أبو العباس بن عمار: لقد نقل مسبع هذه السبعة ما لا ينبغي له، وأشكل الأمر على العامة بإيهامِهِ كلَّ من قلّ نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الخبر، وليته إذا اقتصر نقص عن السبعة أو زاد ليزيل الشبهة. ا. هـ

وقد اصطلح العلماء كذلك على تقسيم قراءات القرآن إلى عشر قراءات، فأضافوا إلى القراءات السبع ثلاث قراءاتٍ أخرى، كلها متواترة.

قال السيوطي في الإتقان نقلاً عن ولد البغوي في كتابه منع الموانع: القراءات السبع التي اقتصر عليها الشاطبي والثلاث التي هي قراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ا.هـ

ولمعرفة القراءات ورواتها فالقراء الذين تواترت قراءاتهم وتلقتها الأمة بالقبول هم عشرة، ولكل منهم راويان هما أشهر من روى عنه.
وإليك أسماء الجميع قراء ورواة بالترتيب حسبما اصطلح عليه القراء :

1-نافع : وهو أبو رؤيم قارئ المدينة من تابعي التابعين توفي في المدينة : 196هـ.
راوياه :
قالون : وهو عيسى بن مينا المدني.
ورش : عثمان بن سعيد المصري.

2-ابن كثير: عبد الله بن كثير قارئ مكة تابعي توفي بمكة:120هـ.
راوياه :
البزي : أحمد بن محمد بن بزة المكي.
قنبل : محمد بن عبد الرحمن المكي.

3-أبو عمرو: زبان بن العلاء البصري توفي بالكوفة: 154هـ
رواياه :
الدوري : جعفر بن عمر.
السوسي : صالح بن زبان.

4-ابن عامر: عبد الله بن عامر تابعي دمشقي توفي بها سنة118هـ
راوياه :
هشام : بن عمار الدمشقي.
ابن ذكوان : عبد الله بن أحمد القرشي.

5-عاصم بن أبي النجود : تابعي قارئ الكوفة وبها توفي سنة: 128هـ
راوياه:
شعبة : أبو بكر بن عياش الكوفي.
حفص بن سليمان البزاز الكوفي.

6-حمزة بن حبيب الزيات من قراء الكوفة:156هـ
راوياه:
خلف بن هشام البزار.
خلاد بن خالد الصيرفي.

7-الكسائي: علي بن حمزة النحوي من قراء الكوفة توفي: 189هـ
رواياه :
أبو الحارث الليث بن خلد.
حفص الدوري “الراوي عن أبي عمرو”.

8-أبو جعفر يزيد بن القعقاع: تابعي مدني وبها توفي سنة: 128هـ
· راوياه:
ابن وردان عيسى بن وردان المدني.
ابن جماز سليمان بن جماز.

9-يعقوب بن إسحاق الحضرمي البصري توفي بها سنة: 205هـ
راوياه :
رويس محمد بن المتوكل اللؤلؤي.
روح بن عبد المؤمن البصري.

10-خلف بن هشام البزار البغدادي بها توفي سنة: 229
راوياه :
إسحاق بن إبراهيم الوراق
إدريس بن عبد الكريم الحداد.

هذه هي أسماء القراء العشرة وأسماء رواتهم المشهورين، اقتصرنا عليهم، وأعرضنا عن غيرهم ممن لم تتواتر قراءته للاختصار، ثم نضيف هنا ذكر ثلاثة ألفاظ يدور ذكرها غالباً على ألسنة أهل هذا الفن ونشرح المقصود عندهم منها تتميماً للفائدة، وإكمالا للإجابة وهي : القراءة، والرواية، والطريق.
فالقراءة هي : ما نسب إلى القارئ.
والرواية هي : ما نسب إلى الراوي عن الإمام.

وأما الطريق : فهي ما نسب إلى من روى عن الراوي وإن سفل، مثال ذلك : إسكان ياء محياي، فإنه قراءة أبي جعفر، ورواية قالون عن نافع، وطريق الأزرق عن ورش.
فبمعرفة الفرق بين القراءة والرواية يتضح جليا أن القراءات المتواترة عشرة، وأن الروايات المشهورة عشرون.
ولمزيد من المعلومات عن القراء العشر طالع هذه الفتوى :
ـ أصحاب القراءات العشر

ويبقى بيان نقطة أخيرة وهي : الفرق بين القرآن والقراءات؟
وقد بين الفرق بينهما الزركشي في البرهان في علوم القرآن فقال: واعلم أن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان :
فالقرآن هو: الوحي المنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- للبيان والإعجاز.

والقراءات هي : اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتابة الحروف أو كيفيتها من : تخفيف، وتثقيل وغيرها. ا.هـ

وليعلم أن اختلاف القراءات ليس عن رأي واجتهاد، وإنما هي سنة متبعة أي عن دليل واتباع، فإن القرآن ثابت بالنقل في جميع قراءات القرآن السبعة التي اشتهرت بين المسلمين وعملوا بها.

والله أعلم.